" فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ".
فالمعنى ﴿ إني مهاجر إلى ربي.. ﴾ [العنكبوت: 26] يعني: ليس الانتقال على رغبتي وحسب هواي، إنما حسب الوجهة التي يوجهني إليها ربي. وأذكر أنه كان لهذه المسألة واقع في تاريخنا، وكنا جماعة من سبعين رجلا، وقد صدر منا أمر لا يناسب رئيسنا، فأصدر قرارا بنقلنا جميعا وشتتنا من أماكننا، فذهبنا عند التنفيذ نستعطفه عله يرجع في قراره، لكنه صمم عليه، وقال: كيف أكون رئيسا ولا أستطيع إنفاذ أمري على المرؤوسين؟ فقال له أحدنا وكان جريئا: سنذهب إلى حيث شئت، لكن اعلموا أنكم لن تذهبوا بنا إلى مكان ليس فيه الله.
وكانت هذه هي كلمة الحق التي هزت الرجل، وأعادت إليه صوابه، فالحق له صولة، وفعلا سارت الأمور كما نريد، وتنازل الرئيس عن قراره. فمعنى: ﴿ مهاجر إلى ربي.. ﴾ [العنكبوت: 26] أن ربي هو الذي يوجهني، وهو سبحانه في كل مكان. يؤيد ذلك قوله سبحانه:
فأينما تولوا فثم وجه الله..
[البقرة: 115] وكأن الحق سبحانه يقول لنا: اعلموا أنني ما وجهتكم في صلاتكم إلى الكعبة إلا لأؤكد هذا المعنى: لأنك تتجه إليها من أي مكان كنت، ومن أية جهة فحيثما توجهت فهي قبلتك. ثم يقول: ﴿ إنه هو العزيز الحكيم ﴾ [العنكبوت: 26] اختار الخليل إبراهيم - عليه السلام - من صفات ربه ﴿ العزيز.. ﴾ [العنكبوت: 26] أي: الذي لا يغلب وهو يغلب. وهذه الصفة تناسب ما كان من محاولة إحراقه، وكأنه يقول للقوم: أنا ذاهب إلى حضن من لا يغلب. و ﴿ الحكيم ﴾ [العنكبوت: 26] أي: في تصرفاته، فلا بد أنه سبحانه سينقلني إلى مكان يناسب دعوتي، وأناس يستحقون هذه الدعوة بما لديهم من آذان صاغية للحق، وقلوب وأفئدة متشوقة إليه، وتنتظر كلمة الحق التي أعرضتم أنتم عنها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ووهبنا له إسحاق ويعقوب... ﴾.