تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهناك من عباد الله من لا يفتر عن تسبيحه لحظة واحدة، فتراه يسبح الله في كل حركة من حركاته لأنه يعلم أنه لا يؤديها بذاته بدليل أنها قد تسلب منه في أي وقت. إذن: فأجزاء الوقت تختلف باختلاف المقامات والأحوال، ألا تراهم في وحدة القياس يقيسون بالمتر، ثم بالسنتيمتر، ثم بالمللي متر، وفي قياس الوقت توصل اليابانيون إلى أجهزة تحدد جزءا من سبعة آلاف جزء من الثانية. ثم يقول: ﴿ وأطراف النهار.. ﴾ [طه: 130] ليستوعب الزمن كله ليله ونهاره، والمقامات والأحوال كلها لذلك يقول بعض العارفين في نصائحه التي تضمن سلامة حركة الحياة: اجعل مراقبتك لمن لا تخلو عن نظره إليك فهذا الذي يستحق المراقبة، وعلى المرء أن يتنبه لهذه المسألة، فلا تكن مراقبته لمن يغفل عنه، أو ينصرف، أو ينام عنه. واجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك فإذا شربت كوب ماء فقل: الحمد لله أن أرواك، فساعة تشعر بنشاطها في نفسك قل: الحمد لله. وساعة أن تخرجها عرقا أو بولا قل: الحمد لله، وهكذا تكون موالاة حمد الله، والمداومة على شكره. واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه فطالما أنك لا تستغني عنه، فهو الأولى بطاعتك. واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه وإلا فأين يمكنك أن تذهب؟ لكن، لماذا أطلق زمن التسبيح بالليل، فقال ﴿ آنآء الليل.. ﴾ [طه: 130] وحدده في النهار فقال ﴿ وأطراف النهار.. ﴾ [طه: 130]؟ قالوا: لأن النهار عادة يكون محلا للعمل والسعي، فربما شغلك التسبيح عن عملك، وربنا يأمرنا أن نضرب في الأرض ونسهم في حركة الحياة، والعمل يعين على التسبيح، ويعين على الطاعة، ويعينك أن تلبي نداء: الله أكبر. ألا تقرأ قول الله - عز وجل - في سورة الجمعة:

يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون

[الجمعة: 9-10]. ذلك لأن حركة الحياة هي التي تعينك على أداء فرض ربك عليك، فأنت مثلا تحتاج في الصلاة إلى ستر العورة، فانظر إلى هذا الثواب الذي تستر به عورتك: كم يد ساهمت فيه؟ وكم حركة من حركات الحياة تضافرت في إخراجه على هذه الصورة؟ أما في الليل فأنت مستريح، يمكنك التفرغ فيه لتسبيح الله في أي وقت من أوقاته. ويلفتنا قوله تعالى: ﴿ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنآء الليل فسبح وأطراف النهار.. ﴾ [طه: 130] فأي طلوع؟ وأي غروب؟ وأي ليل؟ وأي نهار؟ أهي لمصر أم للجزائر أم للهند أم لليابان؟ إنها ظواهر متعددة وممتدة بامتداد الزمان والمكان لا تنتهي، فالشمس في كل أوقاتها طالعة غاربة، ففي هذا إشارة إلى أن ذكر الله وتسبيح الله دائم لا ينقطع.

ثم يذكر سبحانه الغاية من التسبيح، فيقول ﴿ لعلك ترضى ﴾ [طه: 130] ونلحظ أن الحق سبحانه يحث على العمل بالنفعية، فلم يقل: لعلي أرضى، قال: لعلك أنت ترضى، فكأن المسألة عائدة عليك ولمصلحتك. والرضا: أن تصل فيما تحب إلى ما تؤمل، والإنسان لا يرضى إلا إذا بلغ ما يريد، وحقق ما يرجو، كما تقول لصاحبك: أأنت سعيد الآن؟ يقول: يعني: يقصد أنه لم يصل بعد إلى حد الرضا، فإن تحقق له ما يريد يقول لك: سعيد والحمد لله. فإن أحسنت إليه إحسانا يفوق ما يتوقعه منك يأخذك بالأحضان ويقول: ربنا يديم عمرك، جزاك الله خيرا. إذن: رضا الإنسان له مراحل لذلك فالحق سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي كما روى النبي صلى الله عليه وسلم:

" إن الله يتجلى على خلقه في الجنة: يا عبادي هل رضيتم؟ فيقولون: وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين، قال: أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وهل يوجد أفضل من ذلك؟ قال: نعم، أحل عليكم رضواني فلا أسخط بعده عليكم أبدا ".

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٦٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٦٢٦