تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19.72

جثيا: من جثا يجثو أي: قعد على ركبه دلالة على المهانة والتنكيل. ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى لقطة أخرى، فيقول: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا... ﴾.

19.73

هذا حوار دار بين المؤمنين والكافرين، المؤمنين وكانوا عادة هم الضعفاء الذين لا يقدرون حتى على حماية أنفسهم، وليس لهم جاه ولا سيادة يحافظون عليها، وجاء منهج الله في صالحهم يسوي بين الناس جميعا: السادة والعبيد، والقوي والضعيف. فطبيعي أن يقابل هذا الدين بالتكذيب من كفار مكة، أهل الجاه والسيادة، وأهل القوة الذين يأخذون خير الناس من حولهم، أما الضعفاء فقد آمنوا بدين الله في وقت لم يكن لديهم القوة الكافية لحماية أنفسهم، فعندما نزل قول الحق - تبارك وتعالى -:

سيهزم الجمع ويولون الدبر

[القمر: 45]. قال عمر - رضي الله عنه - وما أدراك من هو عمر؟ قال: أي جمع هذا؟ وأي هزيمة، ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ وفي هذه الآونة، يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمنين المستضعفين بالهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة. فلما جاء نصر الله للمؤمنين، وتأييده لهم في بدر. قال عمر: صدق الله:

سيهزم الجمع ويولون الدبر

[القمر: 45]. وفي هذا الحوار يعير الكفار المؤمنين بالله: ماذا أفادكم الإيمان بالله وها أنتم على حال من الضعف والهوان والذلة وضيق العيش؟ أيرضى رب أن يكون المؤمنون به على هذه الحال، وأعداؤه والكافرون به هم أهل الجاه والسيادة وسعة الرزق؟ وهكذا فتن الله بعضهم ببعض، كما قال سبحانه:

وكذلك فتنا بعضهم ببعض

[الأنعام: 53]. فالمؤمن والكافر، والغني والفقير، والصحيح والمريض، كل منهم فتنة للآخر ليمحص الله الإيمان، ويختبر اليقين في قلوب المؤمنين لأن الله تعالى يعدهم لحمل رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الدنيا كلها في جميع أزمنتها وأماكنها، فلا بد أن يختار لهذه المهمة أقوياء الإيمان الذين يدخلون الإسلام، ليس لمغنم دنيوي، بل لحمل رسالته والقيام بأعبائه، فهذا هو المؤمن المؤتمن على حمل منهج الله. ومن ذلك ما نراه من أن مناهج الباطل في الدنيا من يدعو إليها يرشو المدعو ويعطيه، أما منهج الله فيأخذ منه ليختبره وليمحصه. فكيف يكون الغني فتنة للفقير، والفقير فتنة للغني؟ الغني مفتون بالفقير حيث هو في سعة من العيش والفقير في ضيق، الغني يأكل حتى التخمة والفقير جائع، ويرتدي الغني الفاخر من الثياب والفقير عريان. فهل سيعرف نعمة الله عليه ويؤدي حقها؟ والفقير مفتون بالغني حين يراه على هذه الحال، فهل سيصبر على هذه الشدة؟ أم سيعترض على ما قدره الله له، ويحقد على الغني؟ ولو علم الفقير أن الفقر درس تدريبي أجري لجنود الحق الذين يحملون منهج الله إلى خلق الله في كل زمان ومكان، وأن هذه قسمة الله بين خلقه لما اعترض على قسمة الله، ولما حقد على صاحب الغني. وكذلك يفتن الصحيح بالمريض والمريض بالصحيح، فالصحيح يعيش مع نعمة الله بالعافية، أما المريض فيعيش مع المنعم سبحانه، كما جاء في الحديث القدسي:

" يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني. فيقول: وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ".

لذلك ترى أهل الأمراض من المؤمنين يتألم زوارهم من أمراضهم، في حين أنهم في أنس بالله يشغلهم عن أمراضهم وعن آلامهم، ومن الذي يزهد في معية الله؟ إذن: لو حقد المريض على السليم فهو مفتون به، وكان يجب عليه أن يعلم: إن كان الصحيح في معية النعمة فهو في معية المنعم سبحانه وتعالى. وسيدنا نوح - عليه السلام - بعد أن لبث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما كان جواب قومه:

وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي..

[هود: 27] فكان أتباع نوح في نظرهم حثالة القوم، ثم حاولوا أن يغروه بهم ليطردهم، فهم ضعاف لا جاه لهم ولا سلطان، فما كان منه إلا أن قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٠١