تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19.31

أي: وشرع لي أيضا ما دمت حيا.. وقد قال عيسى عليه السلام في المهد هذه الكلمات ليبرىء أمه الصديقة، ذلك أنهم اتهموها في أعز شيء لديها ولذلك لم يكن ليجدي أي كلام منها، وإنقاذا لها أبلغها الحق عن طريق جبريل أو عيسى عليهما السلام أن تقول:

إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا

[مريم: 26]. ثم يقول: ﴿ وبرا بوالدتي ولم يجعلني... ﴾.

19.32

فلم ذكر والدته هنا؟ ولم حرص على تقرير بره بها؟ قالوا: لأن البعض قد يظن أن عيسى - عليه السلام - حينما يكبر ويعرف قصة خلقه، وأن أمه أتت به من غير أب، ودون أن يمسسها بشر قد تترك هذه المسألة ظلالا في نفسه وتساوره الشكوك في أمه، فأراد أن يقطع كل هذه الظنون. ذلك لأنه هو نفسه الدليل، وهو نفسه الشاهد على براءة أمه، والدليل لا يشكك في المدلول، فكأنه يقول للقوم: إياكم أن تظنوا أني سأتجرأ على أمي، أو يخطر ببالي خاطر سوء نحوها. ثم يقول: ﴿ ولم يجعلني جبارا شقيا ﴾ [مريم: 32] فنفى عن نفسه صفة الجبروت والقسوة والتعاظم لأن الرسول لا بد أن يكون لين الجانب رفيقا بقومه لأنه أتى ليخرج الناس مما ألفوه من الفساد إلى ما يثقل عليهم من الطاعة. والإنسان بطبعه حين يألف الفساد يكره من يخرجه عن فساده، فمن الطبيعي أن يتعرض النبي لاستفزاز القوم وعنادهم ومكابرتهم، فلو لم يكن لين الجانب، رقيق الكلمة، يستميل الأذن لتسمع والقلوب لتعي ما صلح لهذه المهمة. لذلك يخاطب الحق - تبارك وتعالى - نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله:

ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك..

[آل عمران: 159]. ومعنى ﴿ شقيا ﴾ [مريم: 32] أي: عاصيا، وما أبعد من هذه صفاته عن معصية الله التي يشقى بسببها الإنسان. ثم يقول تعالى عن عيسى عليه السلام أنه قال: ﴿ والسلام علي يوم ولدت... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٤٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٤٦٧