لو كان خيرا ما سبقونآ إليه
[الأحقاف: 11] وقال الكفار: ما دام أن الله حبانا في الدنيا وهو الرزاق، فلا بد أن يحبونا في الآخرة، لكن لم تتعرض الآيات للقول المقابل من المؤمنين، إنما جاء الرد عليهم من طريق آخر، فقال تعالى: ﴿ وكم أهلكنا قبلهم... ﴾.
19.74
كم: خبرية تدل على الكثرة التي لا تحصى، وأن المقول بعدها وقع كثيرا، كأن يقول لك صاحبك: أنت ما عملت معي معروفا أبدا، فتعدد له صنائع المعروف التي أسديتها إليه، فتقول: كم فعلت معك كذا، وكم فعلت كذا. والقرن: هم الجماعة المتعايشون زمانا. بحيث تتداخل بينهم الأجيال، فترى الجد والأب والابن والحفيد معا، وقد قدروا القرن بمائة عام. كما يطلق القرن على الجماعة الذين يجتمعون على ملك واحد، أو رسالة واحدة مهما طال زمنهم كقوم نوح مثلا. والأثاث: هو فراش البيت، وهذا أمر يتناسب وإمكانات صاحبه. والرئى: على وزن فعل، ويراد به المفعول أي: المرئي، كما جاء في قوله تعالى:
وفديناه بذبح عظيم
[الصافات: 107] فذبح بمعنى: مذبوح. وورد في قراءة أخرى: أحسن أثاثا وزيا وهي غير بعيدة عن المعنى الأول: لأن الزي أيضا من المرئي، إلا أنه يتكون من الزي والذي يرتديه، والمراد هنا جمال الشكل والهيئة ونضارة الشخص وهندامه، وقد افتخر الكفار بذلك، في حين كان المؤمنون شعثا غبرا يرتدون المرقع والبالي من الثياب. وقد جاء الاختلاف في بعض ألفاظ القرآن من قراءة لأخرى لأن القرآن الكريم دون أول ما دون غير منقوط ولا مشكول اعتمادا على ملكة العربي وفصاحته التي تمكنه من توجيه الحرف حسب المعنى المناسب للسياق، وظل كذلك إلى أن وضع له العلماء النقاط فوق الحروف في العصر الأموي. فمثلا النبرة في كلمة دون نقط يحتمل أن تقرأ من أعلى: نون أو تاء أو ثاء. ومن أسفل تقرأ: باء أو ياء. والعربي لمعرفته بمواقع الألفاظ يستطيع تحديد الحرف المراد، فكلمة رئيا تقرأ زيا والمعنى غير بعيد. ومن ذلك كلمة
فتبينوا
[النساء: 94] قرأها بعضهم فتثبتوا وكلمة
صبغة
[البقرة: 138] قرأها بعضهم صنعة، ودليل فصاحتهم أن الاختلاف في مثل هذه الحروف لا يؤدي إلى اختلاف المعنى. لذلك، كان العربي قديما يغضب إن كتب إليه كتاب مشكل، لأن تشكيل الكلام كأنه اتهام له بالغباء وعدم معرفته باللغة. ومن هنا وجدنا العلماء الذين وضعوا قواعد اللغة ليسوا من العرب لأن العربي في هذا الوقت كان يستنكف أن يضع للغة قواعد، فهي بالنسبة له ملكة معروفة لا تحتاج إلى دراسة أو تعليم. أما الأعاجم فلما دخلوا الإسلام ما كان لهم أن يتعلموا لغته إلا بهذه الدراسة لقواعدها. والحق تبارك وتعالى يقول هنا: ﴿ وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا ﴾ [مريم: 74] لأنهم قالوا:
أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا
[مريم: 73] يريد أن يدلل على أنهم حمقى لا ينظرون إلى واقع الحياة ليروا عاقبة من كانوا أعز منهم مكانا ومكانة، وكيف صار الأمر إليهم؟ الحق - تبارك وتعالى - يرد على الكفار ادعاءهم الخيرية على المؤمنين، فهذه الخيرية ليست بذاتيتكم، بل هي عطاء من الله وفتنة، حتى إذا أخذكم أخذكم عن عزة وجاه ليكون أنكى لهم وأشد وأغيظ، أما إن أخذهم على حال ذلة وهوان لم يكن لأخذه هذا الأثر فيهم.
فالحق سبحانه يملي لهم بنعمه ليستشرفوا الخير ثم يأخذهم، على حد قول الشاعر:
كما أبرقت قوما عطاشا غمامة
فلما رأوها أقشعت وتجلت
فأطمعهم في البداية، ثم أخذهم وخيب آمالهم في النهاية. وضربنا لذلك مثلا بالأسير الذي بلغ به العطش مبلغا، فطلب الماء، فجاءه الحارس بالماء حتى كان على فيه، واستشرف الري منعه وحرمه لتكون حسرته أشد، وألمه أعظم، ولو لم يأته بالماء لكان أهون عليه. إذن: حينما تجرون مقارنة بينكم وبين المؤمنين وتعيرونهم بما معكم من زينة الدنيا، فقد قارنتم الوسائل وطرحتم الغايات، ومن الغباء أن نهتم بالوسائل وننسى الغايات، فلكي تكون المقارنة صحيحة فقارنوا حالكم بحال المؤمنين، بداية ونهاية. ومثال ذلك: فلاح مجتهد في زراعته يعتني بها ويعفر نفسه من تراب أرضه كل يوم، وآخر ينعم بالثياب النظيفة والجلوس على المقهى والتسكع هنا وهناك، وينظر إلى صاحبه الذي أجهده العمل، ويرى نفسه أفضل منه، فإذا ما جاء وقت الحصاد وجد الأول ثمرة تعبه ونتيجة مجهوده، وجلس الآخر حزينا محروما. فلا بد أن تأخذ في الاعتبار عند المقارنة الوسائل مع الغايات. لذلك وفق الشاعر حين قال: