والسيدة مريم قال عنها الحق تبارك وتعالى:
وأمه صديقة..
[المائدة: 75] فسماها صديقة لأنها صدقت ساعة أن قال لها الملك:
قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا
[مريم: 19]. فوثقت بهذه البشارة، وأخذتها على أنها حقيقة واقعة، فلما جاء الوليد أشارت إليه وهي على ثقة كاملة ويقين تام أنه سينطق ويتكلم. إذن: فالصديق ليس هو الذي يصدق، بل الذي يصدق. وهكذا كان خليل الله إبراهيم صديقا وكان أيضا نبيا لأن الإنسان قد يكون صديقا يعطيه الله شفافية خاصة، وليس من الضروري أن يكون نبيا، كما كانت مريم صديقة وأبو بكر صديقا، فهذه إذن صفة ذاتية إشراقية من الله، أما النبوة فهي عطاء وتشريع يأتي من أعلى، وهدى يأتي من السماء يحمل النبي مسئوليته؟. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إذ قال لأبيه يأبت... ﴾.
19.42
هذا الحديث من إبراهيم عليه السلام لأبيه على اعتبار أنه نبي جاء ليعدل سلوك الناس على وفق منهج الله، وأولهم أبوه، وقد ذكره القرآن هكذا بأبوته لإبراهيم دون أن يذكر اسمه، إلا في آية واحدة قال فيها:
لأبيه آزر..
[الأنعام: 74]. وهذه الآية أحدثت إشكالا فظن البعض أن آزر هو أبو إبراهيم الحقيقي الصلبي، وهذا القول يتعارض مع الحديث النبوي الشريف الذي يوضح طهارة أصل النبي محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال:
" أنا خيار من خيار، ما زلت أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ".
إذن: فأصول النبي إلى آدم " طاهر متزوج طاهرة " ، فلو قلنا: إن آزر الذي قال الله في حقه:
فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه..
[التوبة: 114] هو أبو إبراهيم، لكان في ذلك تعارض مع الحديث النبوي، فكيف يكون من آباء محمد صلى الله عليه وسلم مثل هذا الكافر؟ ولو تأملنا إطلاقات الأبوة في القرآن الكريم لخرجنا من هذا الإشكال، فالقرآن تكلم عن الأبوة الصلبية المباشرة، وتكلم عن الأبوة غير المباشرة في الجد وفي العم، فسمى الجد أبا، والعم أبا لأنه يشترك مع أبي في جدي، فله واسطة استحق بها أن يسمى أبا. وفي القرآن نصان: أحدهما: يطلق على الجد أبا، والآخر يطلق على العم أبا. فالأول في قوله تعالى من قصة يوسف عليه السلام:
ودخل معه السجن فتيان قال أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين
[يوسف: 36]. فاختاروا يوسف لتأويل رؤياهم لأنهم رأوه من المحسنين، فكأن الإحسان له مقاييس معروفة حتى عند غير المحسن، فلما تعرضوا لأمر يهمهم لم يلجئوا إلا لهذا الرجل الطيب، فمقاييس الكمال محترمة ومعتبرة حتى عند فاقد الكمال. فلما قالوا له
إنا نراك من المحسنين
[يوسف: 36] علم أنهم متتبعون حركاته وتصرفاته، وكيف سلوكه بينهم، فأراد أن يزيدهم مما عنده من إشراقات، فأمره ليس مجرد سلوك طيب وسيرة حسنة بينهم، بل عنده أشياء أخرى، فقال:
لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما..
[يوسف: 37]. ثم ترك الإجابة عن سؤالهم، وأخذ في الحديث فيما يخصه كنبي وداعية إلى الله، فأخبرهم أن ما عنده من مواهب هو عطاء من الله، وليس هو بأذكى منهم، فقال:
ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون * واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب..
[يوسف: 37-38]. ثم يلفت نظر رفاقه إلى بطلان ما هم عليه من عبادة أرباب متفرقين لم ينفعوهم بشيء، فهاهم يتركونهم ويلجئون إلى يوسف الذي له رب واحد:
يصاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار
[يوسف: 39]. وهكذا كان يوسف النبي الداعية حريصا على نشر دعوته وهداية من حوله، حتى وهو في سجنه ما نسي مهمته، وما قصر في دعوته، فلما فرغ من موعظته واستطاع بلباقة أن يسمعهم ما يريد، وإلا لو أجابهم عن سؤالهم من بداية الأمر لانصرفوا عن هذه الموعظة، وما أعاروها اهتماما. والآن يعود إلى سؤالهم وتفسير رؤياهم: