19.14
فرغم أن يحيى عليه السلام جاء أبويه في حال كبرهما وضعفهما، ولم يجد منهما الحنان الكافي والتربية المناسبة، ولم يشعر معهما بالأبوة الكاملة، فكان دورهما في حياته ثانويا، وحمايلهم عليه باهتة متواضعة، مع هذا كله كان بارا بهما حانيا عليهما. وقال عنه أيضا: ﴿ ولم يكن جبارا عصيا ﴾ [مريم: 14]. وصفة الجبروت وصفة العصيان لا يتصوران من الولد على والديه، إلا حين يرى من أبيه شرودا عنه وانصرافا عن رعايته، وحين يرى من أمه انشغالا عن تربيته، فهي تاركة له غير مراعية لحقه. لذلك نرى صورا من هذا الجبروت ومن هذا العصيان، ونسمع من يقسو على أمه وعلى أبيه لأنه لم يجد منهما العطف والحنان والرعاية، فتقطعت بينهما أواصر الأبوة. ويبدو أن زكريا حكى لولده ما حدث، وقص عليه قصته، فتفهم الولد دور والديه ونفى عنهما أي تقصير، فكان بهما بارا رحيما، ولهما طائعا متواضعا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وسلام عليه يوم ولد... ﴾.
19.15
هذه مسائل ثلاث تعد أعلام حياة للإنسان: الميلاد، والموت، والبعث. وقد خصه الله بالسلام يوم مولده لأنه ولد على غير العادة في الميلاد فأمه عاقر قد أسنت، ومع ذلك لم تتعرض لألسنة الناس ولم يعترض أحد على ولادتها، وهي على هذا الوصف، فلم يتجرأ أحد عليها لأن ما حدث لها كان آية من آيات الله وقد بشر الله بها زكريا لتكون البشرى إعدادا ومقدمة لهذا الحدث العجيب. وخصه بالسلام يوم يموت لأنه سيموت شهيدا، والشهادة غير الموت، الشهادة تعطيه حياة موصولة بالحياة الأبدية الخالدة. وكذلك خصه بالسلام يوم القيامة يوم يبعث حيا. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ واذكر في الكتاب... ﴾.