تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" من كان عنده فضل مال فليعد به على من لا مال له... ".

واعلم أن الله سيعوضك خيرا مما أعطيت. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى -: هب أن عندك ولدين، أعطيت لكل منهما مصروفه، فالأول اشترى به حلوى أكل منها، وأعطى رفاقه، والآخر بدد مصروفه فيما لا يجدي من ألعاب أو خلافه، فأيهما تعطي بعد ذلك؟ كذلك الحق سبحانه يعاملنا هذه المعاملة. ويقول الحق سبحانه: ﴿ فإنما يسرناه بلسانك... ﴾.

19.97

الفاء هنا تفيد: ترتيب شيء على شيء فابحث في الجملة بعدها عن هذا الترتيب، فالمعنى: بشر المتقين، وأنذر القوم اللد لأننا يسرنا لك القرآن. ويسرنا القرآن: أي: طوعناه لك حفظا وأداء وإلقاء معان، فأنت توظفه في المهمة التي نزل من أجلها. وتيسير القرآن ورد في آيات كثيرة، كقوله تعالى في سورة القمر:

ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر

[القمر: 17]. والمتأمل في تيسير القرآن يجد العجائب في أسلوبه، فترى الآية تأتي في سورة بنص، وتأتي في نفس السياق في سورة أخرى بنص آخر، فالمسألة - إذن - ليست أكلاشيه ثابت، وليست عملية ميكانيكية صماء، إنه كلام رب. خذ مثلا قوله تعالى:

كلا إنه تذكرة * فمن شآء ذكره

[المدثر: 54-55]. وفي آية آخرى:

إن هذه تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا

[الإنسان: 29]. مرة يقول:

إن هذه تذكرة..

[الإنسان: 29] ومرة يقول:

كلا إنها تذكرة

[عبس: 11]. ونقف هنا أمام ملحظ دقيق في سورة الرحمن حيث يقول الحق تبارك وتعالى:

ولمن خاف مقام ربه جنتان

[الرحمن: 46] ثم يأتي الحديث عنهما: فيهما كذا، فيهما كذا إلى أن يصل إلى قاصرات الطرف فيقول:

فيهن قاصرات الطرف..

[الرحمن: 56]. وكذلك في:

ومن دونهما جنتان

[الرحمن: 62] فيهما كذا وفيهما كذا إلى أن يصل إلى الحور العين فيقول:

فيهن خيرات حسان

[الرحمن: 70]. ولك أن تتساءل: الحديث هنا عن الجنتين، فلماذا عدل السياق عن فيهما إلى فيهن في هذه النعمة بالذات؟ قالوا: لأن نعيم الجنة مشترك، يصح أن يشترك فيه الجميع إلا في نعمة الحور العين، فلها خصوصيتها، فكأن الحق تبارك وتعالى يحترم مشاعر الغيرة عند الرجل، ففي هذه المسألة يكون لكل منا جنته الخاصة التي لا يشاركه فيها أحد. لذلك

" لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجنة رأى فيها قصرا فابتعد عنه، فلما سئل عن ذلك صلى الله عليه وسلم قال: " إنه لعمر، وأنا أعرف غيرة عمر ".

فإلى هذه الدرجة تكون غيرة المؤمن، وإلى هذه الدرجة تكون دقة التعبير في القرآن الكريم. ولولا أن الله تعالى أنزل القرآن ويسره لما حفظه أحد فالنبي صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الآيات، وحين يسري عنه يمليها على الصحابة، ويظل يقرؤها كما هي، ولولا أن الله قال له:

سنقرئك فلا تنسى

[الأعلى: 6] ما تيسر له ذلك. ونحن في حفظنا لكتاب الله تعالى نجد العجائب أيضا، فالصبي في سن السابعة يستطيع حفظ القرآن وتجويده، فإن غفل عنه بعد ذلك تفلت منه، على خلاف ما لو حفظ نصا من النصوص في هذه السن يظل عالقا بذهنه. إذن: مسألة حفظ القرآن ليست مجرد استذكار حافظة، بل معونة حافظ، فإن كنت على ود وألفة بكتاب الله ظل معك، وإن تركته وجفوته تفلت منك، كما جاء في الحديث الشريف:

" تعاهدوا القرآن، فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفصيا من الإبل في عقلها ".

ذلك لأن حروف القرآن ليست مجرد حرف له رسم ومنطوق، إنما حروف القرآن ملائكة تصف، فتكون كلمة، وتكون آية، فإن وددت الحرف، وودت الكلمة والآية، ودتك الملائكة، وتراصت عند قراءتك. ومن العجائب في تيسير حفظ القرآن أنك إن أعملت عقلك في القراءة تتخبط فيها وتخطىء، فإن أعدت القراءة هكذا على السليقة كما حفظت تتابعت معك الآيات وطاوعتك. وتلحظ هنا أن القرآن لم يأت باللفظ الصريح، إنما جاء بضمير الغيبة في ﴿ يسرناه.. ﴾ [مريم: 97] لأن الهاء هنا لا يمكن أن تعود إلا على القرآن، كما في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٢٠