19.34
﴿ ذلك.. ﴾ [مريم: 34] أي: ما تقدم من قصة عيسى عليه السلام ﴿ قول الحق.. ﴾ [مريم: 34] أي: يقولها الله تعالى قولة حق، والحق هو الله، فالذي قص عليك هذا القصص هو الله، وقوله الحق الذي لا باطل فيه، فيكون الحق الذي هو ضد الباطل، فالمعنيان ملتقيان. أو: يكون المراد بقول الحق كلمة كن التي بها يتم الخلق. ثم يقول تعالى: ﴿ الذي فيه يمترون ﴾ [مريم: 34] من المراء: وهو الاختلاف والجدال بالباطل، فالحق سبحانه يعلم أنهم سيشكون فيه، ويتجادلون بالباطل، وأنهم سيقولون فيه الأقاويل، وكأن الله تعالى يقول لهم: اتركوا هذه الأقاويل والأباطيل في شأن عيسى وخذوا بما أخبرتكم به من خبره، فهو الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ ما كان لله أن يتخذ... ﴾.
19.35
لماذا تكلم الحق سبحانه هنا عن نفي الولد بالذات؟ قالوا: لأن مسألة الشريك لله تعالى تنفى بأولية العقل، فإن كان كل إله صالحا للفعل وللترك، فهذه صورة مكررة لا تناسب الإله، وإن كان هذا إلها لكذا وهذا إله لكذا، فما عند أحدهما نقص في الآخر، وهذا محال في الإله، ولو أن هناك إلها آخر لذهب كل منهما بجزء، كما قال سبحانه:
إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض..
[المؤمنون: 91]. لذلك نفى مسألة الولد لأنها ذات أهمية خاصة بالنسبة لقصة عيسى عليه السلام لأن الولد من الممكن أن يستبعد فيه الدليل، لماذا؟ لأن دليله اتخاذ الولد أو حب الولد، والإنسان يحب الولد ويسعى إليه، لماذا؟ قالوا: لأن الإنسان ابن دنياه، وهو يعلم أنه ميت ميت، فيحب أن يكون له امتداد في الدنيا وذكر من بعده، فالإنسان يتمسح في الدنيا حتى بعد موته، وهو لا يدري أن ذكر الإنسان لا يأتي بعده، بل ذكره يسبقه إلى الآخرة بالعمل الصالح. إذن: فحب الولد هنا لاستدامة استبقاء الحياة، وهذا محال في حق الله تبارك وتعالى لأنه الباقي الذي لا يزول. وقد يتخذ الولد ليكون عزوة لأبيه وسندا ومعينا، وهذا دليل الضعف، والحق سبحانه هو القوي الذي لا يحتاج إلى معونة أحد. إذن: فاتخاذ الولد أمر منفي عنه تبارك وتعالى، فهو أمر لا يليق بمقام الألوهية، ويجب أن تنزه الله تعالى أن يكون له ولد لذلك يقول تعالى بعدها: ﴿ سبحانه.. ﴾ [مريم: 35]. وسبحان تدل على التنزيه المطلق لله تعالى تنزيها له في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، فهو سبحانه ليس كمثله شيء، وإن وجدت صفة مشتركة بينك وبين الله كأن يكون لله تعالى وجه ويد، ولك وجه ويد، فإياك أن تنزل بالمستوى الأعلى فتقول: وجهه كوجهي، أو يده كيدي، لأن لك وجودا ولله تعالى وجود، فهل وجودك كوجود الله؟ وجودك مسبوق بعدم ويلحقه العدم، ووجوده تعالى لم يسبق بعدم ولا يلحقه العدم، فعليك - إذن - أن تقول في مثل هذه المسائل:
ليس كمثله شيء وهو السميع البصير
[الشورى: 11]. والمتتبع لمادة سبح في القرآن الكريم يجد أنها جاءت بكل الصيغ: الماضي:
سبح لله ما في السماوات والأرض..
[الحديد: 1]. والمضارع:
يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض..
[الجمعة: 1]. والأمر في:
سبح اسم ربك الأعلى
[الأعلى: 1]. فما دام الكون كله سبح لله، ولم ينقطع عن تسبيحه، بل ما زال مسبحا، فلما خلق الخلق أمرهم بالتسبيح لأنهم جزء من منظومة الكون المسبح، وعليهم أن ينتظموا معه، ولا يكونوا نشازا في كون الله. أما المصدر سبحان فقد جاء ليدل على التنزيه المطلق لله تعالى، حتى قبل أن يخلق الخلق، التنزيه ثابت له تعالى قبل أن يخلق من ينزهه كما في قوله تعالى:
سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله..
[الإسراء: 1]. لأن المسألة عجيبة وفوق إدراك العقل، فقد جاء بالمصدر سبحان الدال على التنزيه المطلق لله، كأنه تعالى يحذر الذين يحكمون عقولهم، ولا يحكمون قدرة الله الذي خلقهم بقانون الزمان والمكان والبعد والمسافة، فكل فعل يتناسب قوة وقدرة مع فاعله. ثم يقول تعالى: ﴿ إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ﴾ [مريم: 35] ذلك لأن الآية في خلق عيسى عليه السلام مخالفة للنواميس كلها، وخارقة للعادة التي ألفها الناس، فإياك أن تتعجب من فعل الله تعالى في يحيى، حيث جاء به مع عطب الآلات، أو تتعجب من خلق عيسى حيث جاء به مع نقص الآلات. وإياك أن تتعجب من كلام عيسى وهو في المهد صبيا، فهي أمور نعم خارقة للعادة وللنواميس، فخذها في إطار سبحانه وتنزيها له لأنه تعالى إذا أراد شيئا لا يعالجه بعمل ومزاولة، وإنما يعالجه بكن فيكون. ولا تظن أن خلق الأشياء متوقف على هذا الأمر كن، فإن كان الفعل مكونا من كاف ونون فقبل أن تنطق النون يكون الشيء موجودا، لكن كن هو أقصر ما يمكن تصوره لنا، والحق سبحانه يخاطبنا بما يقرب هذه المسألة إلى عقولنا، وإلا فإرادته سبحانه ليست في حاجة إلى قول كن فما يريده الله يكون بمجرد إرادته. كما أنك لو أمعنت النظر في قوله تعالى: ﴿ إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون.. ﴾ [مريم: 35] تجد يقول له أي: للشيء، فكأن الشيء موجود بالفعل، موجود أزلا، فالأمر بكن ليس لإيجاده من العدم، بل لمجرد إظهاره في عالم الواقع. ثم يقول: ﴿ وإن الله ربي وربكم... ﴾.