19.44
نلحظ أن إبراهيم في بداية محاورته لأبيه قال:
لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا
[مريم: 42] وهنا يقول: ﴿ لا تعبد الشيطان.. ﴾ [مريم: 44] مع أن الشيطان يمكن أن يسمع ويبصر، فكيف يكون ذلك؟ قالوا: لأن الشيطان هو الذي يسول عبادة الصنم أو الشجر أو الشمس أو القمر، فالأمر مردود إليه وهو سببه، إلا أن إبراهيم عليه السلام حلل المسألة المباشرة لأن أباه يعبد صنما لا يسمع ولا يبصر، ولا يغني عنه شيئا، وهذا بشهادتهم أنفسهم، كما جاء في قوله تبارك وتعالى:
هل يسمعونكم إذ تدعون * أو ينفعونكم أو يضرون
[الشعراء: 72-73]. فهذا استفهام، ولا يستفهم مستفهم مجادل ممن يجادله عن شيء، إلا وقد علم أن الجواب لا بد أن يكون في صالحه لأنه ائتمنه على الجواب. إذن: فعبادة ما دون الله مردها إلى إغواء الشيطان. ثم يستطرد إبراهيم قائلا: ﴿ إن الشيطان كان للرحمن عصيا ﴾ [مريم: 44] عصيا: مبالغة في العصيان، فالشيطان ليس عاصيا، بل عصيا يعصي أوامر الله بلدد وعناد. ثم يقول: ﴿ يأبت إني أخاف... ﴾.
19.45
ما زال خليل الله يتلطف في دعوة أبيه فيقول: ﴿ يمسك عذاب.. ﴾ [مريم: 45] ولم يقل مثلا: يصيبك. فهو لا يريد أن يصدمه بهذه الحقيقة، والمس: هو الالتصاق الخفيف، وكأنه يقول له: إن أمرك يهمني، وأخاف عليك مجرد هبو التراب أن ينالك. وهذا منتهى الشفقة عليه والحرص على نجاته. ثم يقول: ﴿ فتكون للشيطان وليا ﴾ [مريم: 45] أي: قريبا منه، وتابعا له يصيبك من العذاب ما يصيبه، وتعذب كما يعذب. وهكذا انتهت هذه المحاورة التي احتوت أربعة نداءات حانية، وجاءت نموذجا فريدا للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة فراعت مشاعر الأب الذي يدعوه ولده ويقدم له النصح، ورتبت الأمور ترتيبا طبيعيا، وسلسلتها تسلسلا لطيفا لا يثير حفيظة السامع ولا يصدمه. وقد راعى الحق - تبارك وتعالى - جوانب النفس البشرية فأمر أن تكون الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى لا تجمع على المدعو قسوة الدعوة، وقسوة أن يترك ما ألف، ويخرج منه إلى ما لم يألف. فأنت حين تدعو شخصا إلى الله فإنما تخرجه عن الفساد الذي ألفه، وهو لم يألف الفساد إلا بعد أن اشتهاه أولا، ثم اعتاده بالفعل والممارسة ثانيا، وهاتان مصيبتان آخذتان بزمامه، فما أحوجه لأسلوب لين يستميل مشاعره ويعطفه نحوك فيستجيب لك. وما أشبه الداعية في هذا الموقف بالذي يحتال ليخلص الثوب الحرير من الأشواك، أما إن نهرته وقسوت عليه فسوف يعرض عنك، وينصرف عن دعوتك، ويظل على ما هو عليه من الفساد لذلك قال تعالى:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن..
[النحل: 125]. ويقولون: النصح ثقيل فلا ترسله جبلا، ولا تجعله جدلا، وقالوا: الحقائق مرة فاستعيروا لها خفة البيان. وبعد أن أنهى إبراهيم مقالته يرد الأب قائلا: ﴿ قال أراغب أنت عن آلهتي... ﴾.