19.19
قال: ﴿ رسول ربك.. ﴾ [مريم: 19] ولم يقل رسول الله لأن الرب هو المتولي للتربية الذي يحسنها ويصونها من الفساد، فعطاء الربوبية عطاء مادي، أما عطاء الألوهية فهو عطاء معنوي قيمي هو العبادة، فأنا رسول ربك الذي يتولاك ويرعاك ويحرسك فلا تخافي. وقوله: ﴿ لأهب لك.. ﴾ [مريم: 19] يفهم منه أن ما سيحدث لمريم هبة من الله غير خاضعة للأسباب التكوينية، فالهبة في هذه الحالة هبة حقيقية محضة، فقد قلنا في قصة زكريا ويحيى أن الله تعالى وهب يحيى لزكريا حال كونه كبير السن وامرأته عاقر، لكن على أية حال فالجهازان موجودان: الذكورة والأنوثة، لكن في حالة مريم فهي أنثى بلا ذكر، فهنا الهبة المحضة، والمعجزة الحقيقية. وقوله: ﴿ غلاما زكيا ﴾ [مريم: 19] أي منقى مطهر صافي الخلقة. ثم يقول الحق سبحانه عن مريم: ﴿ قالت أنى يكون لي... ﴾.
19.20
﴿ أنى ﴾ استفهام عن الكيفيات التي يمكن أن تتم بها هذه المسألة، وتعجب كيف يحدث ذلك. وقوله: ﴿ يمسسني.. ﴾ [مريم: 20] المس هنا كناية وتعبير مهذب عن النكاح، وقد نفت السيدة مريم كل صور اللقاء بين الذكر والأنثى حين قالت: ﴿ ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ﴾ [مريم: 20] فالتقاء الذكر بالأنثى له وسائل: الوسيلة الأولى: هي الزواج الشرعي الذي شرعه الله لعباده للتكاثر وحفظ النسل، وهو إيجاب وقبول، وعقد وشهادة، وهذا هو المس الحلال. الوسيلة الثانية: أن يتم هذه اللقاء بصورة محرمة بموافقة الأنثى أو غصبا عنها. وقد نفت مريم عن نفسها كل هذه الوسائل فقالت: ﴿ ولم يمسسني بشر.. ﴾ [مريم: 20] لا في الحلال، ولا في الحرام، وأنا بذاتي ﴿ لم أك بغيا ﴾ [مريم: 20] إذن: فمن أين لي بالغلام؟ وكلمة: مس جاءت في القرآن للدلالة على الجماع، كما في قوله تعالى:
لا جناح عليكم إن طلقتم النسآء ما لم تمسوهن..
[البقرة: 236] فالمراد بالمس هنا الجماع، لذلك فقد فسر الإمام أبو حنيفة قوله تعالى:
لامستم النسآء..
[النساء: 43] بأنه الجماع لأن القرآن أطلق المس، وأراد به النكاح، والمس فعل من طرف واحد، أما الملامسة فهي مفاعلة بين اثنين، فهي من باب أولى تعني: جامعتم. وقولها: ﴿ ولم أك بغيا ﴾ [مريم: 20] البغي: هي المرأة التي تبغي الرجال. والبغاء: هو الزنا، والبغي: التي تعرض نفسها على الرجال وتدعوهم، وربما تكرههم على هذه الجريمة. وقولها: ﴿ بغيا ﴾ [مريم: 20] مبالغة في البغي وهو الظلم، واختارت صيغة المبالغة بغي ولم تقل باغية لأن باغية تتعلق بحقوق ما حول العرض، أما الاعتداء على العرض ذاته فيناسبه المبالغة في هذا الفعل. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قال كذلك قال ربك... ﴾.