من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب
[الشورى: 20]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ووهبنا لهم من رحمتنا... ﴾.
19.50
قوله تعالى: ﴿ من رحمتنا.. ﴾ [مريم: 50] المراد بالرحمة النبوة لذلك لما قال أهل العظمة والجاه المعاصرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم
[الزخرف: 31] وكأنهم استقلوا رسول الله أن يكون في هذه المنزلة، رد عليهم القرآن:
أهم يقسمون رحمت ربك..
[الزخرف: 32]. إذن: فعطاؤه تعالى في النبوات رحمة أشاعها الله في ذرية إبراهيم. وقوله: ﴿ وجعلنا لهم لسان صدق عليا ﴾ [مريم: 50] أي: كلمة صدق وحق ثابت مطابق للواقع، ولسان الصدق يعني مدحا في موضعه، وثناء بحق لا مجاملة فيه، والثناء يكون باللسان، وها نحن نذكر هذا الركب من الأنبياء إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب بالثناء الحسن والسيرة الطيبة، ونأخذهم قدوة، وهذا كله من لسان الصدق، ويبدو أنها دعوة إبراهيم حين قال:
رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين * واجعل لي لسان صدق في الآخرين
[الشعراء: 83-84]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ واذكر في الكتاب موسى... ﴾.
19.51
وهذا أيضا ركب من ركب النبوات، وقد أخذت قصة موسى عليه السلام حيزا كبيرا من كتاب الله لم تأخذه قصة نبي آخر، مما دعا الناس إلى التساؤل عن سبب ذلك، حتى بنو إسرائيل يفضلون أنفسهم على الناس بأنهم أكثر الأمم أنبياء، وهذا من غبائهم لأن هذه تحسب عليهم لا لهم، فكثرة الأنبياء فيهم دليل على عنادهم وغطرستهم مع أنبيائهم. فما من أمة حيرت الأنبياء، وآذتهم كبني إسرائيل لذلك كثر أنبياؤهم، والأنبياء أطباء القيم وأساة أمراضها، فكثرتهم دليل تفشي المرض، وأنه أصبح مرضا عضالا يحتاج في علاجه لا لطبيب واحد، بل لفريق من الأطباء. والبعض يظن أن قصة موسى في القرآن مجرد حكاية تاريخ، كما نقول نحن ونقص: كان يا ما كان حدث كذا وكذا، ولو كانت قصة موسى في القرآن مجرد حكاية تاريخ لجاءت مرة واحدة. لكنها ليست كذلك لأن الحكمة من قصها على رسول الله كما قال تعالى:
وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك..
[هود: 120]. إذن: فالهدف من هذا القصص تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته لقومه لأنه سيتعرض لمواقف وشدائد كثيرة يحتاج فيها إلى تثبيت ومواساة وتسلية، فكلما جد بينه وبين قومه أمر قال له ربه: اذكر موسى حين فعل كذا وكذا، وأنت خاتم الرسل، وأنت التاج بينهم، فلا بد لك أن تتحمل وتصبر. أما لو نزلت مثل هذه القصة مرة واحدة لكان التثبيت بها مرة واحدة، وما أكثر الأحداث التي تحتاج إلى تثبيت في حياة الدعوة. لذلك نجد خصوم الإسلام يتهمون القرآن بالتكرار في قصة موسى عليه السلام، وهذا دليل على قصورهم في فهم القرآن، فهذه المواضع التي يرون فيها تكرارا ما هي إلا لقطات مختلفة لموضوع واحد، لكن لكل لقطة منها موقع وميلاد، فإذا جاء موقعها وحان ميلادها نزلت. ومما رأوا فيه تكرارا، وليس كذلك قوله تعالى عن موسى عليه السلام طفلا:
عدو لي وعدو له..
[طه: 39] ونتساءل: متى تستعر العداوة بين عدوين؟ إن كانت العداوة من طرف واحد فإن الطرف الآخر يقابلها بموضوعية ودون لدد في الخصومة إلى أن تهدأ العداوة بينهما، فهو عدو دون عداوة، فحينما يراه صاحب العداوة على هذا الخلق يصرف ما في نفسه من عداوة له، كما قال تعالى:
ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم
[فصلت: 34]. أما إن كانت العداوة بين عدوين حقيقيين: هذا عدو وهذا عدو، هنا تستعر العداوة، وتزكو نارها، ويحتدم بينهما صراع، ولا بد أن يصرع أحدهما الآخر. والحق تبارك وتعالى حينما تكلم عن موسى وفرعون، جعل العداوة مرة من موسى في قوله تعالى: