ومآ أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم
[هود: 29]. وقال في آية أخرى:
ولا أقول لكم عندي خزآئن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين
[هود: 31]. فعلى مر الأزمان واختلاف الرسالات كان الكفار تزدري أعينهم الفقراء والضعفاء المؤمنين، ويحاولون طردهم وإخراجهم من ديارهم، ألم يقل الحق - تبارك وتعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم:
ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين
[الأنعام: 52]. وهكذا جاءت اللقطة التي معنا: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ﴾ [مريم: 73]. قوله: ﴿ آياتنا بينت ﴾ [مريم: 73] الآيات: جمع آية وهي الشيء العجيب الذي يتحدث به، وتطلق - كما قلنا - على الآيات الكونية التي تثبت قدرة الله تعالى، وتلفتنا إلى بديع صنعه كآيات الليل والنهار والشمس والقمر، وتطلق على المعجزات التي تثبت صدق الرسول، كما جاء في قوله تعالى:
وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا
[الإسراء: 90-93]. كما تطلق الآيات على آيات القرآن التي تحمل الأحكام، وهذه هي المرادة هنا لأن آيات القرآن تنطوي فيها كل الآيات.
وقوله: ﴿ قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين.. ﴾ [مريم: 73] أي: لقد ارتضينا حكمكم في هذه المسألة: نحن الكفار في سعة، وأنتم يا أهل الإيمان في ضيق، فأي الفريقين خير مقاما؟ والله بمقاييسكم أنتم. فأنتم خير، أما بمقياس الأعلى والأبقى فنحن. والمقام - بفتح الميم: اسم لمكان قيامك من الفعل: قام. أما " مقام " بضم الميم، فمن أقام. والمراد هنا ﴿ خير مقاما ﴾ [مريم: 73] أي: مكانا يقوم فيه على الآخر أي: بيت كبير وأثاث ومجلس يتباهى به على غيره. ﴿ وأحسن نديا ﴾ [مريم: 73] الإنسان عادة له بيت يأويه، وله مجلس يأوي إليه، ويجلس فيه مع أصحابه وأحبابه يسمونه " حجرة الجلوس " أو " المندرة " ، وفيها يجلس كبير القوم ومن حوله أهله وأتباعه، كما نقول في العامية: عامل قعر مجلس لذلك إذا قام أنفض المجلس كله لأنهم تابعون له، كما قال الشاعر:
وانفض بعدك يا كليب المجلس
وهناك النادي، وهو المكان الذي يجتمع فيه عظماء القوم والأعيان، بدل أن يكون لكل منهم مجلسه الخاص، كما نرى الآن: نادي الرياضيين ونادي القضاة.. إلخ إذن: فالنادي دليل على أنهم متفقون ومتكاتفون ومتكتلون ضد الإسلام وضد الحق. ومن ذلك قول الحق تبارك وتعالى:
فليدع ناديه
[العلق: 17] ومن ذلك ما كان يسمى قبل الإسلام " دار الندوة " ، و كانوا يجتمعون فيها ليدبروا المكائد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن النادي ما كان مأخوذا لعمل المنكر والفاحشة والعياذ بالله، فيجتمعون فيه لكل ما هو خبيث من شرب الخمر والرقص والفواحش، كما في قول الحق - تبارك وتعالى -:
.. وتأتون في ناديكم المنكر..
[العنكبوت: 29]. وفي هذا دليل على شيوع الفاحشة والقحة بين القادرين والمجاهرة بها، فلم يكونوا يقترفونها سرا، بل في جمع من رواد هذه الأماكن. والنادي أو المنتدى مأخوذ من الندى أي: الكرم، ولما مدحت المرأة العربية زوجها قالت: رفيع العماد، كثير الرماد، قريب البيت من الناد. والمعنى: أن بيته أقرب البيوت إلى النادي، فهو مقصد الناس في قضاء حاجياتهم. إذن: كان قول الكفار للمؤمنين: ﴿ أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ﴾ [مريم: 73] موضع فتنة للفريقين، فقال المؤمنون: