19.95
أي: وحده، ليس معه أهل أو أولاد أو عزوة، كما قال تعالى:
يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه
[عبس: 34-37]. فكل مشغول بحاله، ذاهل عن أقرب الناس إليه:
يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت..
[الحج: 2]. وتأمل قوله: ﴿ آتيه.. ﴾ [مريم: 95] فالعبد هو الذي يأتي بنفسه مختارا لا يؤتى به، فكأن الجميع منضبط على وقت معلوم، إذا جاء يهرع الجميع طواعية إلى الله عز وجل. ثم يقول رب العزة سبحانه: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا... ﴾.
19.96
ودا: مودة ومحبة تقوم على الإيمان، وتقود إلى شدة التعلق، وقد جعل الحق - تبارك وتعالى - في كونه أسبابا لهذه المحبة والمودة، كأن ترى إنسانا يحبك ويتودد إليك، فساعة تراه مقبلا عليك تقوم له وتبش في وجهه، وتفسح له في المجلس، ثم تسأل عنه إن غاب، وتعوده إن مرض، وتشاركه الأفراح وتواسيه في الأحزان وتؤازره عند الشدائد، فهذه المودة ناشئة عن حب ومودة سابقة. وقد تنشأ المودة بسبب القرابة أو المصالح المتبادلة أو الصداقة، فهذه أسباب المودة في الدنيا بين الخلق جميعا مؤمنهم وكافرهم، أما هنا:
سيجعل لهم الرحمن ودا
[مريم: 96]. أي: بدون سبب من أسباب المودة هذه، مودة بدون قرابة، وبدون مصالح مشتركة أو صداقة، وهذه المودة بين الذين آمنوا، كأن ترى شخصا لأول مرة فتشعر نحوه بارتياح كأنك تعرفه، وتقول له: إني أحبك لله. هذه محبة جعلها الله بين المؤمنين، فضلا منه سبحانه وتكرما، لا بسبب من أسباب المودة المعروفة. لذلك قال هرم بن حيان - رحمه الله -: إن الحق تبارك وتعالى حين يرى عبده المؤمن قد أقبل عليه بقلبه وأسكنه فيه، وأبعد عن قلبه الأغيار، وسلم قلبه وهو أسمى ما يملك من مستودعات العقائد وينبوع الصالحات وقدمه لربه إلا فتح له قلوب المؤمنين جميعا. كما جاء في الحديث القدسي:
" ما أقبل علي عبد بقلبه إلا أقبلت عليه بقلوب المؤمنين جميعا "
أي: بالمودة والرحمة دون أسباب. وفي الحديث القدسي:
" إن الله إذا أحب عبدا نادى في السماء: إنني أحببت فلانا فأحبوه، وينادي جبريل في الأرض: إن الله أحب فلانا فأحبوه. ويوضع له القبول في الأرض ".
فيحبه كل من رآه عطية من الله وفضلا، دون سبب من أسباب المودة، وإن كنت قد تبرعت لله تعالى بما تملك وهو قلبك مستودع العقائد وينبوع الصالحات كلها، فإنه تعالى وهب لك ما يملك من قلوب الناس جميعا، فهي في يده تعالى يوجهها كيف يشاء. وقد علمنا ربنا - تبارك وتعالى - في قوله:
وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ..
[النساء: 86] أن نرد الجميل بأحسن منه، فإن لم نقدر على الأحسن فلا أقل من الرد بالمثل، فإن كان هذا عطاء العبد، فما بالك بعطاء الرب؟ ومن ذلك ما جاء في الحديث الشريف:
" من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ".
والعون يقتضي معينا ومعانا، ولا بد أن يكون المعين أقوى من المعان، فيفيض عليه من فضل ما عنده: صحة، أو قدرة، أو غنى، أو علما.
وإعانة العبد لأخيه محدودة بقدراته وإمكاناته، أما معونة الله لعبده فغير محدودة لأنها تناسب قدرة وإمكانات الحق تبارك وتعالى. وهكذا عودنا ربنا - تبارك وتعالى - حين نضحي بالقليل أن يعطينا الكثير وبلا حدود، فضلا من الله وكرما. ألم تر أن الحسنة عنده تعالى بعشر أمثالها، وتضاعف إلى سبعمائة ضعف؟ أليست هذه تجارة مع الله رابحة، كما قال سبحانه:
يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم
[الصف: 10]. وقال عنها:
تجارة لن تبور
[فاطر: 29]. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد منا المحبة المتبادلة التي تربط بين قلوبنا وتؤلف بيننا، ثم يمنحنا سبحانه الثمن. إذن: العملية الإيمانية لا تظن أنها إيثار، بل الإيمان أثره، وأنت حين تتصدق بكذا إنما تأمل ما عند الله من مضاعفة الأجر، فالإيمان - إذن - أنانية عالية. والحق - سبحانه وتعالى - يريد منا أن نعود على غيرنا بفضل ما نملك، كما جاء في الحديث: