تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكما سلب الله طبيعة الماء في قصة موسى عليه السلام فتجمد وتوقفت سيولته، حتى صار كل فرق كالطود العظيم، فهو سبحانه القادر على تغيير طبائع الأشياء. إذن: لا مانع من دخول المؤمنين النار على طريقة إبراهيم عليه السلام

قلنا ينار كوني بردا وسلما على إبراهيم

[الأنبياء: 69]. ثم ينجي الله المؤمنين، ويترك فيها الكافرين، فيكون ذلك أنكى لهم وأغيظ. ثم يقول تعالى: ﴿ كان على ربك حتما مقضيا ﴾ [مريم: 71] الحتم: هو الشيء الذي يقع لا محالة، والعبد لا يستطيع أن يحكم بالحتمية على أي شيء لأنه لا يملك المحتوم ولا المحتوم عليه. فقد تقول لصديقك: أحتم عليك أن تزورني غدا، وأنت لا تملك من أسباب تحقيق هذه الزيارة شيئا، فمن يدريك أن تعيش لغد؟ ومن يدريك أن الظروف لن تتغير وتحول دون حضور هذا الصديق؟ إذن: أنت لا تحتم على شيء، إنما الذي يحتم هو القادر على السيطرة على الأشياء بحيث لا يخرج شيء عن مراده. فإن قلت: فمن الذي حتم على الله؟ حتم الله على نفسه تعالى، وليست هناك قوة أخرى حتمت عليه، كما في قوله تعالى:

كتب ربكم على نفسه الرحمة

[الأنعام: 54]. ثم يؤكد هذا الحتم بقوله: ﴿ مقضيا ﴾ [مريم: 71] أي: حكم لا رجعة فيه، وحكم الله لا يعدله أحد، فهو حكم قاطع. فمثلا: حينما قال كفار مكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة، يريدون أن يتعايش الإيمان والكفر. لكن الحق - تبارك وتعالى - يريد قطع العلاقات معهم بصورة نهائية قطعية، لا تعرف هذه الحلول الوسط، فقال سبحانه:

قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ولي دين

[الكافرون: 1-6]. وقطع العلاقات هنا ليس كالذي نراه مثلا بين دولتين، تقطع كل منهما علاقتها سياسيا بالأخرى، وقد تحكم الأوضاع بعد ذلك بالتصالح بينهما والعودة إلى ما كانا عليه، إنما قطع العلاقات مع الكفار قطعا حتميا ودون رجعة، وكأنه يقول لهم: إياكم أن تظنوا أننا قد نعيد العلاقات معكم مرة أخرى لذلك تكرر النفي في هذه السورة، حتى ظن البعض أنه تكرار ذلك لأنهم يستقبلون القرآن بدون تدبر. فالمراد الآن: لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، وكذلك في المستقبل: ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد. فلن يرغمنا أحد على تعديل هذا القرار أو العودة إلى المصالحة. لذلك أتى بعد سورة الكافرون سورة الحكم:

قل هو الله أحد

[الإخلاص: 1] فلا ثاني له يعدل عليه، فكلامه تعالى وحكمه نهائي وحتما مقضيا لا رجعة فيه ولا تعديل. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٥٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٥٠٠