تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين

[ص: 82-83]. لأن هؤلاء لا يقدر إبليس على غوايتهم. ثم يقول تعالى: ﴿ وكان رسولا نبيا ﴾ [مريم: 51] لأن من عباد الله من يكون مخلصا دون أن يكون نبيا أو رسولا كالعبد الصالح مثلا لذلك أخبر تعالى عن موسى - عليه السلام - أنه جمع له كل هذه الصفات. والرسول: من أوحي إليه بشرع يعمل به ويؤمر بتبليغه لقومه، أما النبي، فهو من أوحي إليه بشرع يعمل به لكن لم يؤمر بتبليغه. إذن: فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا لأن النبي يعيش على منهج الرسول الذي يعاصره أو يسبقه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وناديناه من جانب الطور... ﴾.

19.52

قوله تعالى: ﴿ من جانب الطور الأيمن.. ﴾ [مريم: 52] أيمن الطور، أم أيمن موسى؟ أي مكان لا يقال له أيمن ولا أيسر، إنما الأيمن والأيسر بالنسبة لك أو لغيرك، فالذي تعتبره أنت يمينا يعتبره غيرك يسارا، ولا يقال للمكان أيمن ولا أيسر إلا إذا قسته إلى شيء ثابت كالقبلة مثلا فتقول: أيمن القبلة، وأيسر القبلة، وخلف القبلة، وأمام القبلة. إذن: فقوله: ﴿ من جانب الطور الأيمن.. ﴾ [مريم: 52] أي: أيمن موسى، وهو مقبل على الجبل، وهذه لقطة مختصرة من القصة جاءت مفصلة في قوله تعالى:

فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا..

[القصص: 29]. وقوله: ﴿ وقربناه نجيا ﴾ [مريم: 52] أي: قربناه لنناجيه بكلام. والنجي: هو المناجي الذي يسر القول إلى صاحبه، كما جاء في الحديث الشريف:

" إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر، فإن ذلك يحزنه ".

وقد قرب الله تعالى موسى ليناجيه لأن هذه خصوصية لموسى عليه السلام، فكلام الله لموسى خاص به وحده لا يسمعه أحد غيره، فإن قلت: فكيف يكلمه الله بكلام، ويسمى مناجاة؟ قالوا: لأنه تعالى أسمعه موسى، وأخفاه عن غيره، فصار مناجاة كما يتناجى اثنان سرا. وهذا من طلاقة قدرته تعالى أن يسمع هذا، ولا يسمع ذاك. وبعض المفسرين يرى أن الأيمن ليس من اليمين، ولكن من اليمن والبركة. و ﴿ وقربناه.. ﴾ [مريم: 52] أي: من حضرة الحق تبارك وتعالى. لكن هل حضرة الحق قرب منه، أم موسى هو الذي قرب من حضرة الحق سبحانه؟ كيف نقول إن الله قرب منه وهو سبحانه أقرب إليه من حبل الوريد، فالتقريب إذن لموسى عليه السلام. وهكذا جمع الحق - تبارك وتعالى - لموسى عدة خصال، حيث جعله مخلصا ورسولا ونبيا، وخصه بالكلام والمناجاة، ثم يزيده هبة أخرى في قوله: ﴿ ووهبنا له من رحمتنآ... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٤٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٤٨٤