رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين
[الأنبياء: 89]. فزكريا عليه السلام يريد الولد الذي يرثه وهو موروث لأن الله تعالى خير الوارثين. لكن يأتي الرد:
فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه..
[الأنبياء: 90] ونلاحظ أنه تعالى قبل أن يقول:
وأصلحنا له زوجه..
[الأنبياء: 90] التي ستنجب هذا الولد، قال:
ووهبنا له يحيى..
[الأنبياء: 90] فصلاح الزوجة ليس شرطا في تحقق هذه البشرى وحدوث هذه الهبة. وهنا مظهر من مظاهر طلاقة القدرة الإلهية التي لا يعجزها شيء، فهو سبحانه قادر على إصلاح هذه الزوجة العاقر، فالصنعة الإلهية لا تقف عند حد، كما لو تعطل عندك أحد الأجهزة مثلا فذهبت به إلى الكهربائي لإصلاحه فوجد التلف به كبيرا، فينصحك بتركه وشراء آخر جديد، فلا حيلة في إصلاحه. لذلك أصلح الله تعالى لزكريا زوجه حتى لا نظن أن يحيى جاء بطريقة أخرى، والزوجة ما تزال على حالها. ثم يقول الحق: ﴿ قال كذلك قال ربك... ﴾.
19.9
﴿ قال ﴾ أي: الحق تبارك وتعالى ﴿ كذلك قال ربك.. ﴾ [مريم: 9] أي: أنه تعالى قال ذلك وقضى به، فلا تناقش في هذه المسألة، فنحن أعلم بك وما أنت فيه من كبر، وأن زوجتك عاقر، ومع ذلك سأهبك الولد. وقوله تعالى: ﴿ هو علي هين.. ﴾ [مريم: 9] وفي آية أخرى يقول في آية البعث:
وهو أهون عليه..
[الروم: 27] فلا تظن أن الأمر بالنسبة لله تعالى فيه شيء هين وشيء أهون، وشيء شاق، فالمراد بهذه الألفاظ تقريب المعنى إلى أذهاننا. والحق سبحانه يخاطبنا على كلامنا نحن وعلى منطقنا، فالخلق من موجود أهون في نظرنا من الخلق من غير موجود، كما قال الحق سبحانه تعالى:
أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد
[ق: 15]. إذن: فمسألة الإيجاد بالنسبة له تعالى ليس فيها سهل وأسهل أو صعب وأصعب، لأن هذه تقال لمن يعمل الأعمال علاجا، ويزاولها مزاولة، وهذا في إعمالنا نحن البشر، أما الحق تبارك وتعالى فإنه لا يعالج الأفعال، بل يقول للشيء كن فيكون:
إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
[يس: 82]. ثم يدلل الحق سبحانه وتعالى بالأقوى، فيقول: ﴿ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ﴾ [مريم: 9] فلأن يوجد يحيى من شيء أقل غرابة من أن أوجد من لا شيء. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قال رب اجعل لي آية... ﴾.