19.5
الموالي من الولاء، وهم أقاربه من أبناء عمومته، فهم الجيل الثاني الذي سيأتي بعده، ويخاف أن يحملوا المنهج ودين الله من بعده لأنه رأى من سلوكياتهم في الحياة عدم أهليتهم لحمل هذه المهمة. ﴿ من ورآئي.. ﴾ [مريم: 5] سبق أن أوضحنا في سورة الكهف أن كلمة وراء تأتي بمعنى: خلف، أو أمام، أو بعد، أو غير. وهنا جاءت بمعنى: من بعدي. ثم يقول: ﴿ وكانت امرأتي عاقرا.. ﴾ [مريم: 5] والعاقر هي التي لا تلد بطبيعتها بداية، أو صارت عاقرا بسبب بلوغها سن اليأس مثلا. ونحن نعلم أن التكاثر والإنجاب في الجنس البشري ينشأ من رجل وامرأة، وقد سبق أن وصف زكريا حاله من الضعف والكبر، ثم يخبر عن زوجته بأنها عاقر لا تلد، إذن: فأسباب الإنجاب جميعها معطلة. وقوله: ﴿ وكانت امرأتي عاقرا.. ﴾ [مريم: 5] أي: هي بطبيعتها عاقر، وهذا أمر مصاحب لها ليس طارئا عليها، فلم يسبق لها الإنجاب قبل ذلك. ثم يقول: ﴿ فهب لي.. ﴾ [مريم: 5] والهبة هي العطاء بلا مقابل، فالأسباب هنا معطلة، والمقدمات تقول: لا يوجد إنجاب لذلك لم يقل مثلا: أعطني لأن العطاء قد يكون عن مقابل، أما في هذه الحالة فالعطاء بلا مقابل وبلا مقدمات، فكأنه قال: يارب إن كنت ستعطيني الولد فهو هبة منك لا أملك أسبابها لذلك قال في آية أخرى عن إبراهيم عليه السلام:
الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق..
[إبراهيم: 39]. ولنا وقفة وملحظ في قوله تعالى
على الكبر..
[إبراهيم: 39] حيث قال المفسرون: على هنا بمعنى مع وعلى ثلاثة أحرف ومع حرفان، فلماذا عدل الحق تبارك وتعالى عن الخفيف إلى الثقيل؟ لا بد أن وراء هذه اللفظ إضافة جديدة، وهي أن مع تفيد المعية فقط، أما على فتفيد المعية والاستعلاء، فكأنه قال: إن الكبر يا رب يقتضي ألا يوجد الولد، لكن طلاقة قدرتك أعلى من الكبر. ومن ذلك أيضا قوله تعالى:
وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم..
[الرعد: 6] كأن الظلم يقتضي أن يعاقبوا، لكن رحمة الله بهم ومغفرته لهم علت على استحقاق العقاب. وقوله: ﴿ من لدنك.. ﴾ [مريم: 5] أي: من عندك أنت لا بالأسباب وليا أي: ولدا صالحا يليني في حمل أمانة تبليغ منهجك إلى الناس لتسلم لهم حركة الحياة. ثم يقول: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب... ﴾.