تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن، لماذا اختارت الجهة الشرقية من بيت المقدس بالذات دون غيرها من الجهات؟ قالوا: لأنهم كانوا يتفاءلون بشروق الشمس، لأنها سمة النور المادى الذي يسير الناس على هداه فلا يتعثرون، وللإنسان في سيره نوران: نور مادى من الشمس أو القمر أو النجوم والمصابيح، وهو النور الذي يظهر له الأشياء من حوله، فلا تصطدم بما هو أقوى منه فيحطمك ولا بأضعف منه فتحطمه. وكذلك له نور من منهج الله يهديه في مسائل القيم، حتى لا يتخبط تائها بين دروبها، ومن ذلك قوله تعالى:

الله نور السماوات والأرض..

[النور: 35] ثم يقول بعدها:

نور على نور..

[النور: 35]. أي: نور السماء الذي ينزل بالوحي لهداية الناس.

19.17

الحجاب: هو الساتر الذي يحجب الإنسان عن غيره ويحجب غيره عنه، فما فائدة أن تتخذ بينها وبين أهلها سترا بعد أن ابتعدت عنهم؟ نقول: انتبذت من أهلها مكانا بعيدا، هذا في المكان، إنما لا يمنع أن يكون هناك مكين آخر يسترها حتى لا يطلع عليها أحد، فهناك إذن مكان ومكين. والحجاب قد يكون حجابا مفردا فهو ساتر فقط، وقد يكون حجابا مستورا بحجاب غيره، فهو حجاب مركب، كما يصنع أهل الترف الآن الستائر من طبقتين، إحداهما تستر الأخرى، فيكون الحجاب نفسه مستورا، ومن ذلك قوله تعالى:

وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا

[الإسراء: 45]. وقوله تعالى: ﴿ فأرسلنآ إليهآ روحنا.. ﴾ [مريم: 17]. كلمة الروح في القرآن الكريم لها إطلاقات متعددة، أولها الروح التي بها قوام حياتنا المادية، فإذا نفخ الله الروح في المادة دبت فيها الحياة والحس والحركة، ودارت كل أجهزة الجسم، وهذا المعنى في قوله تعالى:

فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين

[الحجر: 29]. لكن، هل هذه الحياة التي تسري في المادة بروح من الله هي الحياة المقصودة من خلق الله للخلق؟ قالوا: إن كانت هذه الحياة هي المقصودة فما أهونها لأن الإنسان قد يمر بها ويموت بعد ساعة، أو بعد يوم، أو بعد سنة، أو عدة سنوات. إذن: هي حياة قصيرة حقيرة هينة، هي أقرب إلى حياة الديدان والهوام، أما الإنسان الذي كرمه الله وخلق الكون من أجله فلا بد أن تكون له حياة أخرى تناسب تكريم الله له، هذه الحياة الأخرى الدائمة الباقية يقول عنها القرآن:

وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون

[العنكبوت: 64]. ﴿ لهي الحيوان ﴾ أي: الحياة الحقيقية، أما حياتك الدنيا فهي مهددة بالموت حتى لو بلغت من الكبر عتيا، فنهايتك إلى الموت، فإن أردت الحياة الحقيقية التي لا يهددها موت فهي في الآخرة. فإذا كان الخالق - تبارك وتعالى - جعل لك روحا في الدنيا تتحرك بها وتناسب مدة بقائك فيها، ألا يجعل لك في الآخرة روحا تناسبها، تناسب بقاءها وسرمديتها، والقرآن حينما يتحدث عن هذه الروح يقول للناس:

يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم..

[الأنفال: 24]. فكيف يدعوهم لما يحييهم ويخاطبهم وهم أحياء؟ نعم، هم أحياء الحياة الدنيا، لكنه يدعوهم إلى حياة أخرى دائمة باقية، أما من لم يستجب لهذا النداء ويسعى لهذه الحياة فلن يأخذ إلا هذه الحياة القصيرة الفانية التي لا بقاء لها. وكما سمى الله السر الذي ينفخه في المادة فتدب فيها الحركة والحياة " روحا " ، كذلك سمى القيم التي تحيا بها النفوس حياة سعيدة " روحا " ، كما قال تعالى:

وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا..

[الشورى: 52] أي: القرآن الكريم. كما سمى الملك الذي ينزل بالروح روحا:

نزل به الروح الأمين

[الشعراء: 193] وهو جبريل عليه السلام. إذن: فقوله تعالى: ﴿ فأرسلنآ إليهآ روحنا.. ﴾ [مريم: 17] أي: جبريل عليه السلام. ﴿ فتمثل لها بشرا سويا ﴾ [مريم: 17] معنى تمثل: أي: ليست هذه حقيقته، إنه تمثل بها، أما حقيقته فنورانية ذات صفات أخرى، وذات أجنحة مثنى وثلاث ورباع، فلماذا - إذن - جاء الملك مريم في صورة بشرية؟ لأنهما سيلتقيان، ولا يمكن أن يتم هذا اللقاء خفية، وكذلك يستحيل أن يلتقي الملك بملكتيه مع البشر ببشريته، فلكل منهما قانونه الخاص الذي لا يناسب الآخر، ولا بد في لقائهما أن يتصور الملك في صورة بشر، أو يرقى البشر إلى صفات الملائكة، كما رقي محمد صلى الله عليه وسلم إلى صفات الملائكة في حادثة الإسراء والمعراج، ولا يتم الالتقاء بين الجنسين إلا بهذا التقارب. لذلك، لما طلب الكفار أن يكون الرسول ملكا رد عليهم الحق تبارك وتعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٤٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٤٥٦