تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19.27

ونعجب للسيدة مريم، فبدل أن تخجل مما حدث وتستتر بوليدها عن أعين الناس، أو تنتقل به إلى مكان آخر في فيافي الأرض إذا بها تحمله، وتذهب به، وتبادر به قومها، وما كانت لتفعل ذلك وتتجرأ عليه إلا لثقتها في الحجة التي معها، والتي ستوافيها على يد وليدها. لذلك لما سأل بعض المستشرقين الإمام محمد عبده رحمه الله في باريس: بأي وجه قابلت عائشة قومها بعد حديث الإفك؟ سبحان الله إنهم يعلمون أنه إفك وباطل، لكنهم يرددونه كأنهم لا يفهمون. فأجاب الشيخ رحمه الله ببساطة: بالوجه الذي قابلت به مريم قومها وهي تحمل وليدها. أي: بوجه الواثق من البراءة، المطمئن إلى تأييد الله، وأنه سبحانه لن يسلمها أبدا لذلك لما نزلت براءة عائشة في كتاب الله قالوا لها: اشكري النبي، فقالت: بل أشكر الله الذي برأني من فوق سبع سماوات. فلما رآها القوم على هذه الحال قالوا فيها قولا غليظا: ﴿ يمريم لقد جئت شيئا فريا ﴾ [مريم: 27] فريا: الفري للجلد: تقطيعه، والأمر الفري: الذي يقطع معتادا عند الناس فليس له مثيل، أو من الفرية وهو تعمد الكذب. ثم قالوا لها: ﴿ يأخت هارون ما كان... ﴾.

19.28

قولهم لمريم: ﴿ يأخت هارون.. ﴾ [مريم: 28] هذا كلام جارح وتقريع ومبالغة منهم في تعييرها، فنسبوها إلى هارون الذي سمي على اسم النبي، فأنت من بيت صلاح ونشأت في طاعة الله، فكيف يصدر منك هذا الفعل؟ كما ترى أنت سيدة محجبة يصدر منها في الشارع عمل لا يتناسب ومظهرها فتلومها على هذا السلوك الذي لا يتصور من مثلها. وقوله: ﴿ ما كان أبوك امرأ سوء.. ﴾ [مريم: 28] الرجل السوء هو الذي إن صحبته أصابك منه سوء، ونالك بالأذى ﴿ وما كانت أمك بغيا ﴾ [مريم: 28] قلنا: إن البغي: هي المرأة التي تبغي الرجال وتدعوهم إليها، فالمراد: من أين لك هذه الصفة، وأنت من أسرة خيرة صالحة؟ وفي هذا دليل على أن نضح الأسر يؤثر في الأبناء، فحين نكون الأسرة المؤمنة والبيت الملتزم بشرع الله، وحين نحتضن الأبناء ونحوطهم بالعناية والرعاية، فسوف نستقبل جيلا مؤمنا واعيا نافعا لنفسه ولمجتمعه. إذن: فقولهم: ﴿ ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا ﴾ [مريم: 28] اتهام صريح لمريم، وتأكيد على أنها وقعت في محظور وكأنهم مصرون على رميها بالفاحشة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فأشارت إليه قالوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٤٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٤٦٥