تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر..

[مريم: 42]،

يأبت لا تعبد الشيطان..

[مريم: 44]. والقياس يقتضي أن يقول: وأعتزلكم وما تعبدون.. وأدعو ربي. أي: أعبده، إلا أنه عدل عن العبادة هنا وقال: ﴿ وأعتزلكم وما تدعون.. ﴾ [مريم: 48] فلماذا؟ قالوا: لأن الإنسان لا ينصرف عن ربه وعن وحدانيته تعالى إلا حين يستغني، فإن ألجأته الأحداث واضطرته الظروف لا يجد ملجأ إلا إلى الله فيدعو. إذن: فالعبادة ستصل قطعا إلى الدعاء، وما دمت ستضطر إلى الدعاء فليكن من بداية الأمر: ﴿ وأعتزلكم وما تدعون من دون الله.. ﴾ [مريم: 48]. إذن: استخدم الدعاء بدل العبادة لأنني أعبد الله في الرخاء، فإن حدثت لي شدة لا أجد إلا هو أدعوه. وقوله: ﴿ وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعآء ربي شقيا ﴾ [مريم: 48] أي: عسى ألا أكون شقيا بسبب دعائي لربي لأنه تبارك وتعالى لا يشقي من عبده ودعاه، فإن أردت المقابل فقل: الشقي من لا يعبد الله ولا يدعوه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فلما اعتزلهم وما يعبدون... ﴾.

19.49

قوله: ﴿ وهبنا له إسحاق ويعقوب ﴾ [مريم: 49] لم يذكر هنا إسماعيل لأن إسحاق جاء جزاء من الله لإبراهيم على صبره في مسألة ذبح إسماعيل، وما حدث من تفويضهما الأمر لله تعالى، والتسليم لقضائه وقدره، كما قال تعالى:

فلما أسلما..

[الصافات: 103] أي: إبراهيم وإسماعيل

وتله للجبين * وناديناه أن يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ إنا كذلك نجزي المحسنين * إن هذا لهو البلاء المبين * وفديناه بذبح عظيم

[الصافات: 103-107]. ولم يقتصر الأمر على الفداء، بل

وبشرناه بإسحاق..

[الصافات: 112] فلما امتثل لأمر الله في الولد الأول وهبنا له الثاني. وفي آية أخرى يقول تعالى:

ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين

[الأنبياء: 72]. كأن الحفيد نافلة وزيادة في عطاء الذرية، ومبالغة في الإكرام. ثم يمتن الله على الجميع بأن يجعلهم أنبياء ﴿ وكلا جعلنا نبيا ﴾ [مريم: 49] فليس الامتنان بأن وهب له إسحاق ومن بعده يعقوب، بل بأن جعلهم أنبياء، وهذه جاءت بشرى لإبراهيم، وكان حظه أن يرعى دعوة الله حيا، ويطمع أن تكون في ذريته من بعده، وكانت هذه هي فكرة زكريا - عليه السلام - فكلهم يحرصون على الذرية لا للعزوة والتكاثر وميراث عرض الدنيا، بل لحمل منهج الله وامتداد الدعوة فيهم والقيام بواجبها. انظر إلى قوله تعالى في حق إبراهيم عليه السلام:

وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن..

[البقرة: 124] أي: حمله تشريعات فقام بها على أتم وجه وأداها على وجهها الصحيح، فلما علم الله منه عشقه للتكليف أتمها عليه:

إني جاعلك للناس إماما

[البقرة: 124] فتثور مسألة الإمامة في نفس إبراهيم، ويطمع أن تكون في ذريته من بعده فيقول:

ومن ذريتي..

[البقرة: 124] لذلك يعدل الحق سبحانه فكرة إبراهيم عن الإمامة، ويضع المبدأ العام لها، فهي ليست ميراثا، إنها تكليف له شروط:

قال لا ينال عهدي الظالمين

[البقرة: 124]. فالظالمون لا يصلحون لهذه المهمة. فوعي إبراهيم عليه السلام هذا الدرس، وأخذ هذا المبدأ، وأراد أن يحتاط به في سؤاله لربه بعد ذلك، فلما دعا ربه:

وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات..

[البقرة: 126] فاحتاط لأن يكون في بلده ظالمون، فقال:

من آمن منهم بالله واليوم الآخر..

[البقرة: 126]. لكن جاء قياس إبراهيم هنا في غير محله، فعدل الله له المسألة لأنه يتكلم في أمر خاص بعطاء الربوبية الذي يشمل المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فقد ضمن الله الرزق للجميع فلا داعي للاحتياط في عطاء الربوبية لذلك أجابه ربه:

قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير

[البقرة: 126]. إذن: فهناك فارق بين العطاءين: عطاء الربوبية وعطاء الألوهية، والإمامية في منهج الله، فعطاء الربوبية رزق يساق للجميع وخاضع للأسباب، فمن أخذ بأسبابه نال منه ما يريد، أما عطاء الألوهية فتكليف وطاعة وعبادة. يقول تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٤٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٤٨١