تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

19.29

أي: حين قال القوم ما قالوا أشارت إلى الوليد وهي واثقة أنه سيتكلم، مطمئنة إلى أنها لا تحمل دليل الجريمة، بل دليل البراءة. فلما أشارت إليه تقول لقومها: اسألوه، تعجبوا: ﴿ قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ﴾ [مريم: 29] ونلاحظ في قولهم أنهم لم يستبعدوا أن يتكلم الوليد، فلم يقولوا: كيف يتكلم من كان في المهد صبيا؟ بل قالوا: ﴿ كيف نكلم.. ﴾ [مريم: 29] أي: نحن، فاستبعدوا أن يكلموه، فكأنهم يطعنون في أنفسهم وفي قدرتهم على فهم الوليد إن كلمهم. والمهد: هو المكان الممهد المعد لنوم الطفل، لأن الوليد لا يقدر أن يبعد الأذى عن نفسه، فالكبير مثلا يستطيع أن يمهد لنفسه مكان نومه، وأن يخرج منه ما يؤرق نومه وراحته، وعنده وعي، فإذا آلمه شيء في نومه يستطيع أن يتحلل من الحالة التي هو عليها، وينظر ماذا يؤلمه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قال إني عبد الله... ﴾.

19.30

وكأنه قال للقوم: لا تتكلموا أنتم، أنا الذي سأتكلم. ثم بادرهم بالكلام: ﴿ قال إني عبد الله.. ﴾ [مريم: 30] وهكذا استهل عيسى عليه السلام كلامه بإظهار عبوديته لله تعالى، وفي هذا دليل على أنه قد يقال فيه أنه ليس عبدا، وأنه إله أو شريك للإله. لذلك كانت أول كلمة نطق بها ﴿ قال إني عبد الله.. ﴾ [مريم: 30] فالمعجزة التي جاءت بي لا تمنع كوني عبدا لله لذلك لو سألت الذين يعتقدون في عيسى عليه السلام أنه إله أو شريك للإله: إنكم تقولون أنه تكلم في المهد، فماذا قال؟ فلا يعترفون بقوله أبدا لأن قوله ونطقه: ﴿ إني عبد الله.. ﴾ [مريم: 30] ينفي معتقدهم من أساسه. ليس هذا وفقط، بل: ﴿ آتاني الكتاب.. ﴾ [مريم: 30] لكن كيف آتاه الله الكتاب وهو ما يزال وليدا في مهده؟ قالوا: على اعتبار أنه أمر مفروغ منه، وحادث لا شك فيه، كأنه يقول: أنا أهل لأن أتحمل أمانة السماء إلى أهل الأرض. مع أن الكتاب لم يأت بعد، إلا أنه ملقن لقنه ربه الكتاب بالفعل، وإن لم يأت الوقت الذي يبلغ فيه هذا الكتاب. ﴿ وجعلني نبيا ﴾ [مريم: 30] فسلوكي سلوك قويم، ولا يمكن أن يكون في مطعن بعد ذلك، وإن كان هناك مطعن فهو بعيد عني، ولا ذنب لي فيه. ثم يقول: ﴿ وجعلني مباركا أين ما كنت... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٤٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٤٦٦