تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة

[النحل: 125]. الدعوة إلى منهج يلفت الإنسان - خليفة الله في أرضه - أن يلتزم بمنهج الله الذي استخلفه، ووضع له هذا المنهج لينظم حركة حياته، والداعية يواجه هؤلاء الذين يفسدون في الأرض، ويحققون لأنفسهم مصالح على حساب الغير، والذي يحقق لنفسه مصلحة على حساب غيره لا بد أن يكون له قوة وقدرة، بها يطغى ويستعلي ويظلم. فإذا جاء منهج الله تعالى ليعدل حركة هؤلاء ويخرجهم مما ألفوه، وينزع منهم سلطان الطغيان والظلم، ويسلبهم هذا السوط الذي يستفيدون به، فلا بد أن يجادلوه ويصادموه ويقفوا في وجهه، فقد جمع عليهم شدة النصح والإصلاح، وشدة ترك ما ألفوه. فعلى الداعية - إذن - أن يتحلى بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يجادلهم بالتي هي أحسن، فإذا ما تعدى أمرهم إلى الاعتداء على الداعية، إذا ما استشرى الفساد وغلبت شراسة الطباع، فسوف نحتاج إلى أسلوب آخر، حيث لم يعد يجدي أسلوب الحكمة. ولا بد لنا أن نقف الموقف الذي تقتضيه الرجولة العادية، فضلا عن الرجولة الإيمانية، وأن يكون لدينا القدرة على الرد الذي شرعه لنا الحق سبحانه وتعالى، دون أن يكون عندنا لدد في الخصومة، أو إسراف في العقوبة. فجاء قوله تعالى: ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. ﴾ [النحل: 126]. وفي الآية تحذير أن يزيد الرد على مثله، وبذلك يتعلم الخصوم أنك خاضع لمنهج رباني عادل يستوي أمامه الجميع، فهم وإن انحرفوا وأجرموا فإن العقاب بالمثل لا يتعداه، ولعل ذلك يلفتهم إلى أن الذي أمر بذلك لم يطلق لشراسة الانتقام عنانها، بل هدأها ودعاها إلى العفو والصفح، ليكون هذا أدعى إلى هدايتهم.

وهذا التوجيه الإلهي في تقييد العقوبة بمثلها قبل أن يتوجه إلى أمته صلى الله عليه وسلم توجه إليه صلى الله عليه وسلم في تصرف خاص، لا يتعلق بمؤمن على عموم إيمانه، ولكن بمؤمن حبيب إلى رسول الله، وصاحب منزلة عظيمة عنده، إنه عمه وصاحبه حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء رضي الله عنه. فقد مثل به الكفار في أحد، وشقت هند بطنه، ولاكت كبده، فشق الأمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثر في نفسه، وواجه هذا الموقف بعاطفتين: عاطفته الإيمانية، وعاطفة الرحم والقرابة فهو عمه الذي آزره ونصره، ووقف إلى جواره، فقال في انفعاله بهذه العاطفة:

" لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين رجلا منهم ".

ولكن الحق سبحانه العادل الذي أنزل ميزان العدل والحق في الخلق هدأ من روعه، وعدل له هذه المسألة ولأمته من بعده، فقال: ﴿ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به.. ﴾ [النحل: 126]. والمتأمل للأسلوب القرآني في هذه الآية يلحظ فيها دعوة إلى التحنن على الخصم والرأفة به، فالمتحدث هو الله سبحانه، فكل حرف له معنى، فلا تأخذ الكلام على إجماله، ولكن تأمل فيه وسوف تجد من وراء الحرف مرادا وأن له مطلوبا. لماذا قال الحق سبحانه: وإن ولم يستخدم إذا مثلا؟ إن عاقبتم: كأن المعنى: كان يحب ألا تعاقبوا. أما إذا فتفيد التحقيق والتأكيد، والحق سبحانه يريد أن يحنن القلوب، ويضع رد العقوبة بمثلها في أضيق نطاق، فهذه رحمة حتى مع الأعداء، هذه الرحمة تحببهم في الإسلام، وتدعوهم إليه، وبها يتحول هؤلاء الأعداء إلى جنود في صفوف الدعوة إلى الله. كما أن في قوله: عاقبتم دليل على أن رد العقوبة يحتاج إلى قوة واستعداد، كما قال تعالى:

وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم..

[الأنفال: 60]. كأنه يقول: كونوا دائما على استعداد، وفي حال قوة تمكنكم من الرد إذا اعتدي عليكم، كما أن في وجود القوة والاستعداد ما يردع العدو ويرهبه، فلا يجرؤ على الاعتداء من البداية، وبالقوة والاستعداد يحفظ التوازن في المجتمع، فالقوي لا يفكر أحد في الاعتداء عليه. وهذا ما نراه الآن بين دول العالم في صراعها المحموم حول التسلح بأسلحة فاتكة. وكلمة: ﴿ ما عوقبتم به.. ﴾ [النحل: 126]. نلاحظ أن الرد على الاعتداء يسمى عقوبة، لكن الاعتداء الأول لماذا نسميه أيضا عقوبة؟ قالوا: لأن هذه طريقة في التعبير تسمى " المشاكلة " ، أي: جاءت الأفعال كلها على شاكلة واحدة. ومن ذلك قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٨٠