أن لو يشآء الله لهدى الناس جميعا
[الرعد: 31]. ولكنه سبحانه وتعالى لم يشأ ذلك، بدليل قوله: ﴿ ولكن يضل من يشآء ويهدي من يشآء.. ﴾ [النحل: 93]. وهذه الآية يقف عندها المتمحكون، والذين قصرت أنظارهم في فهم كتاب الله، فيقولون: طالما أن الله هو الذي يضل الناس، فلماذا يعذبهم؟ ونتعجب من هذا الفهم لكتاب الله ونقول لهؤلاء: لماذا أخذتم جانب الضلال وتركتم جانب الهدى؟ لماذا لم تقولوا: طالما أن الله بيده الهداية، وهو الذي يهدي، فلماذا يدخلنا الجنة؟ إذن: هذه كلمة يقولها المسرفون لأن معنى: ﴿ يضل من يشآء ويهدي من يشآء.. ﴾ [النحل: 93]. أي: يحكم على هذا من خلال عمله بالضلال، ويحكم على هذا من خلال عمله بالهداية، مثل ما يحدث عندنا في لجان الامتحان، فلا نقول: اللجنة أنجحت فلانا وأرسبت فلانا، فليست هذه مهمتها، بل مهمتها أن تنظر أوراق الإجابة، ومن خلالها تحكم اللجنة بنجاح هذا وإخفاق ذاك. وكذلك الحق - تبارك وتعالى - لا يجعل العبد ضالا، بل يحكم على عمله أنه ضلال وأنه ضال فالمعنى إذن: يحكم بضلال من يشاء، ويحكم بهدى من يشاء، وليس لأحد أن ينقل الأمر إلى عكس هذا الفهم، بدليل قوله تعالى بعدها: ﴿ ولتسألن عما كنتم تعملون ﴾ [النحل: 93]. فالعبد لا يسأل إلا عما عملت يداه، والسؤال هنا معناه حرية الاختيار في العمل، وكيف تسأل عن شيء لا دخل لك فيه؟ فلنفهم - إذن - عن الحق تبارك وتعالى مراده من الآية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولا تتخذوا... ﴾.