تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط..

[الحديد: 25]. هذا هو المنهج الذي يعتمد على الحجة والإقناع.. فإن لم يصلح هذا المنهج لبعض الناس وتمردوا عليه أتى إذن دور القوة والقهر، يقول تعالى:

وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..

[الحديد: 25]. وقوله: ﴿ كذلك يتم نعمته عليكم.. ﴾ [النحل: 81]. كأن من تمام نعمة الله أن نحفظها ممن يفسدها علينا، ونقف له بالمرصاد ونضرب على يده لأنه لو تركنا هؤلاء المفسدين في مجتمعنا فسوف يفسدون علينا هذه النعم، وسنظل مهددين، لا نشعر بلذة الحياة ومتعها. إذن: لا تتم النعمة إلا بحفظ السلامة العامة للمجتمع. وقوله: ﴿ لعلكم تسلمون ﴾ [النحل: 81]. تسلمون: أي تلقون زمام الاستسلام إلى الله الذي أسلمت له، وأنت لا تلقي زمامك إلا لمن تثق فيه.. والإنسان قد يلقي زمامه في أمر لا يجيده إلى إنسان مثله يجيد هذا الأمر، فإذا كنت في حاجات نفسك تلقي زمامك لمن هو مثلك، ويساويك في قلة المعلومات، ويساويك في قلة الحكمة، ومع ذلك تسلم إليه أمرك لمجرد أنه يجيد شيئا لا تجيده أنت، أفلا تلقي زمامك وتسلم أمرك إلى ربك وخالقك، وخالق كل هذه النعم من أجلك؟ إذن: جاء ذكر هذه النعم، ثم الأمر بإسلام الوجه لله والتسليم له سبحانه حتى نسلم عن يقين واقتناع، فالحق تبارك وتعالى ليس له مصلحة في طاعتنا، ولا تضره معصيتنا، إن أطعناه فلن نزيد في ملكه سبحانه، وإن عصيناه فلن ننقص من ملكه سبحانه. إذن: تسليمنا الأمر والزمام لله من مصلحتنا نحن.. فالإنسان حينما يسلم زمامه إلى غيره قد يكون للغير مصلحة تلوي رأيه في المسألة، إنما ربنا سبحانه حينما يوجه إلينا حكما فليس له مصلحة فيه فلا يلوى، لا يكون إلا لصالحك. وبعد أن عدد هذه النعم في الذات والمحيطات وفي السكن وفي الانطباعات. قال: إياك بعد ذلك أن تسلم زمامك لغيري، وإن أجريت عليك ما يخرجك عن نفع السلامة لأنني لا أجري عليك ما يخرجك عن نفس السلامة إلا لغرض أسلم منه. لذلك نقول: لا عبادة كالتسليم لأن التسليم لحكمه تسليم لحكيم، تسليم لغير منتفع.. وما دمت قد سلمت زمامك لربك عز وجل يجلي لك الحكمة فيما جرى لك من الأحداث لتعلم رضاك عن حكمه لحكمته، فتقول: أنا رضيت بحكمك يا رب. ولذلك نقول في الدعاء: أحمدك على كل قضائك، وجميع قدرك حمد الرضا بحكمك لليقين بحكمتك. أي: لك حكمة يارب فيما أجريت علي من أحداث، ولكني لا أراها. والذي يعلم مكانة التسليم لله تعالى فيما يجرى عليه من أحداث وما يقع به من بلاء لا يضجر ولا يسخط لأنه بذلك يطيل على نفسه أمد القضاء لأن الله لا يرفع قضاءه عن عبده حتى يرضى به، فالله تعالى لا مجبر له.

فإن أردت رفع القضاء فارض به أولا، وإذا لم يرفع عنك القضاء فاعلم أن مكان الرضى من نفسك لم يكن مقبولا، قد ترضى بلسانك ولكن قلبك لا يزال ساخطا ضجرا. فالذي يسلم زمامه إلى الله ويرد كل حدث وقع أو بلاء نزل به يرده إلى الله، وإلى حكمة مجريه، الله تعالى يقول له: لقد فهمت عني، ويرفع عنه البلاء. وفي مقام التسليم لله دائما نذكر قصة سيدنا إبراهيم حينما أمره ربه بذبح ولده إسماعيل - عليهما السلام.. وهل هناك بلاء أكثر من أن يبتلى الرجل بذبح ولده الذي رزقه على كبر، ويذبحه هو بيده. إنه ابتلاء من مراتب متعددة، ومن نواح مختلفة، وليت الأمر بوحي ظاهر، ولكنه بمنام كان يستطيع أن يتأول فيه، ولكن رؤيا الأنبياء حق. ونرى إبراهيم - عليه السلام - يقص على ولده المسألة حرصا عليه أن يتحول قلبه عن أبيه ساعة يأخذه ليذبحه، وأيضا لكي يشاركه ولده في الرضا بقدر الله، ولا يحرم ثواب هذا الابتلاء.. فقال له:

إني أرى في المنام أني أذبحك..

[الصافات: 102]. فليس الغرض هنا أن يزعجه أو يخيفه، ولكن ليقول له: هذه مسألة تعبدية أمرنا بها الخالق سبحانه ليكون على بصيرة هو أيضا، ولا يتغير قلبه على أبيه. ولذلك كان الولد حكيما في الرد، فقال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣١٢٥