[البقرة: 255]. فإذا أذن الله لهم تكشفت لهم الأسرار: إما بالبحث، وإما بالخطأ، أو حتى بالمصادفة.. فطالما حان وقت ميلاد هذا الغيب واكتشافه فإن صادف بحثا من البشر التقيا، وإلا أظهره الله لنا دون بحث ودون سعي منا. وهناك نوع آخر من الغيب، وهو الغيب المطلق، وهو غيب عن كل البشر استأثر الله به، وليس له مقدمات وأسباب توصل إليه، كما في النوع الأول.. هذا الغيب، قال تعالى في شأنه:
عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول..
[الجن: 26-27]. فإذا ما أعلمنا الرسول غيبا من الغيبيات فلا نقول: إنه يعلم الغيب.. لأنه لا يعلم إلا ما أعلمه الله من الغيب.. إذن: هذا غيب لا يدركه أحد بذاته أبدا. ومن هذا الغيب المطلق غيب استأثر الله به، ولا يطلع عليه أحدا حتى الرسل..
" ولما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الساعة، قال: " ما المسئول عنها بأعلم من السائل ".
وفي الإسراء والمعراج يحدثنا صلى الله عليه وسلم أن الله قد أعطاه ثلاثة أوعية: وعاء أمره بتبليغه وهو وعاء الرسالة، ووعاء خيره فيه فلا يعطيه إلا لأهل الاستعداد السلوكي الذين يتقبلون أسرار الله ولا تنكرها عقولهم، ووعاء منعه فهو خصوصية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك يقول راوي الحديث: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني وعاءين، أما أحدهما فقد بثثته أي رويته وقلته للناس، وأما الآخر فلو بحت به لقطع حلقومي هذا، فهذا من الأسرار التي يختار الرسول صلى الله عليه وسلم لها من يحفظها.
قوله تعالى: ﴿ ولله غيب السماوات والأرض.. ﴾ [النحل: 77]. هذا يسمونه أسلوب قصر بتقديم الجار والمجرور، أي قصر غيب السموات والأرض عليه سبحانه، فلو قلنا مثلا: غيب السموات والأرض لله، فيحتمل أن يقول قائل: ولغير الله، أما: ﴿ ولله غيب السماوات والأرض.. ﴾ [النحل: 77]. أي: له وحده لا شريك له. ومعنى السموات والأرض، أي: وما بينهما وما وراءهما، ولكن المشهور من مخلوقات الله: السماء، والأرض. ثم يقول تعالى: ﴿ ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب.. ﴾ [النحل: 77]. جاءت الآية بهذا الغيب الوحيد لأنه الغيب الذي استأثر الله به.. ولا يجليها لوقتها إلا هو.. فناسب الحديث عن الغيب أن يأتي بهذا الغيب المطلق الذي لا يعلمه إلا الله. وما هو لمح البصر؟ عندنا أفعال متعددة تدل كلها على الرؤية العامة، وإن كان لكل منها معنى خاص بها نقول: رأى ونظر ورمق ولحظ ولمح.. فرأى مثلا أي بجمع عينه، ورمق بأعلى، ولحظ بجانب، فكلها مرتبطة بحركة الحدقة، هذه الحركة ما نسميه باللمح. إذن: لمح البصر هو تحرك حدقة العين إلى ناحية الشيء المرئي.. فإن أردت أن ترى ما فوقك تحركت الحدقة إلى أعلى، وإن أردت أن ترى ما هو أسفل تحركت الحدقة إلى أسفل وهكذا. هذه الحركة هي لمح البصر، انتقال الحدقة من وضع إلى وضع. إذن: شبه الحق تبارك وتعالى أمر الساعة عنده سبحانه بلمح البصر، ولكن اللمح حدث، والأحداث تحتاج إلى أزمان، وقد تطول الأزمان في ذاتها ولكنها تقصر عند الرائي. وقد قرب إلينا العلم الحديث هذه القضية بما توصل إليه من إعادة المشاهد المصورة على البطيء ليعطيك فرصة متابعتها بدقة، فنراهم مثلا يعيدون لك مشهدا كرويا لترى كل تفاصيله، فتجد المشهد الذي مر كلمح البصر يعرض أمامك بطيئا في زمن أطول، في حين أن الزمن في السرعة يتجمع تجمعا لا تدركه أنت بأي معيار، لا بالدقيقة ولا بالثانية. إذن: فهي جزئيات حركة في جزئيات زمان، فلمح البصر الذي هو تحرك حدقة العين تحتاج لوقت ولزمن متداخل، وليس هكذا أمر الساعة، بل هذا أقرب ما يعرفه الإنسان، وأقرب تشبيه لفهم أمر الساعة بالنسبة له سبحانه. إذا قيل لك: ما أمر فلان؟ وما شأنه؟. تأخذ في سرد الأحداث.. حدث كيت وكيت.. فإذا قلنا: ما أمر الساعة؟ ما شأنها ساعة تقوم، حيث يموت الأحياء أولا، ثم يحيا الجميع من لدن آدم عليه السلام ثم حشر وحساب وثواب وعقاب.