" لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته ".
والحقيقة أنه لا يوجد تعارض بينهما، ولكن كيف نوفق بين الآية والحديث؟ الله تعالى يوحي لرسوله صلى الله عليه وسلم الحديث كما يوحي له الآية، فكلاهما يصدر عن مشكاة واحدة ومصدر واحد.. على حد قوله تعالى:
وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله..
[التوبة: 74]. فالحدث هنا واحد، فلم يغنهم الله بما يناسبه والرسول بما يناسبه، بل هو غناء واحد وحدث واحد، وكذلك ليس ثمة تعارض بين الآية والحديث.. كيف؟ الحق تبارك وتعالى كلف الإنسان بعد سن الرشد والعقل، وأخذ يوالي عليه النعم منذ صغره، وحينما كلفه كلفه بشيء يعود على الإنسان بالنفع والخير، ولا يعود على الله منه شيء، ثم بعد ذلك يجازيه على هذا التكليف بالجنة. إذن: التكليف كله لمصلحة العبد في الدنيا والآخرة. إذن: تشريع الجزاء من الله في الآخرة هو محض الفضل من الله، ولو أطاع العبد ربه الطاعة المطلوبة منه في الأفعال الاختيارية التكليفية لما وفى نعم الله عليه، وبذلك يكون الجزاء في الجنة فضلا من الله ومنة.
أو: أنهم حينما قالوا: ﴿ بما كنتم تعملون ﴾ [النحل: 32]. يريدون أن عملهم سبب عادي لدخول الجنة، ثم يكتسبونها بفضل الله.. فتجمع الآية بين العمل والفضل معا لذلك فإن الحق تبارك وتعالى يقوي هذا بقوله تعالى:
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون
[يونس: 58]. فهم لم يفرحوا بالعمل لأنه لا يفي بما هم فيه من نعمة، بل الفرحة الحقيقية تكون بفضل الله ورحمته، وفي الدعاء: " اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل ". وأخيرا.. هل كانوا يعملون هكذا من عند أنفسهم؟ لا.. بل بمنهج وضعه لهم ربهم تبارك وتعالى.. إذن: بالفضل لا بمجرد العمل.. ومثال ذلك: الوالد عندما يقول لولده: لو اجتهدت هذا العام وتفوقت سأعطيك كذا وكذا.. فإذا تفوق الولد كان كل شيء لصالحه: النجاح والهدية. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ هل ينظرون إلا... ﴾.