ويقدر علماء الفلك أن هذا الكون يتألف من خمسمائة مليون من المجرات، في كل منها " مائة مليار " من النجوم، او اكثر او اقل.
ويقدرون ان أقرب مجموعة من النجوم، وهي التي نراها في الليل كخيوط بيضاء دقيقة والتي نسميها درب التبانة، تضم حيزا مداه ألف سنة ضوئية. وسرعة الضو 300.000 الف كيلو متر في الثانية. وبمعرفة هذه الحقيقة يتبين لنا اتساع السنة الضوئية ومقدار زمنها، وكم تكون مسافة الف سنة ضوئية. انها شيء مذهل حقا، فوق تفكير البشر وطاقته.
ونبعد نحن سكان الارض عن مركز هذه المجموعة بمقدار ثلاثين الف سنة ضوئية، وهذه المجموعة جزء من مجموعة كبيرة تتألف من سبع عشرة مجرة. وقطر هذه المجموعة الكبيرة (ذات السبع عشرة) مليونان من السنين الضوئية.
والحديث في هذا الموضوع طويل جدا، ومحير ومذهل. وحين ينظر العقل الى هذا النظام العجيب، والتنظيم الدقيق الغريب المدهش لا يلبث ان يحكم باستحالة ان يكون هذا كله قائما بنفسه، بل ان هنالك طاقة غير عادية هي التي تقيم هذا النظام العظيم، وتهيمن عليه.
ولما في عالم السماوات وهذا الكون الذي بينا لمحة موجزة عنه - من بديع الصنع والنظام - ختم سبحانه وتعالى الآية بقوله:
﴿ قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون ﴾.
أي أنا قد بينا دلائل رحمتنا وقدرتنا لقوم ينفعون بالعلم. فهو يوجهنا إلى هذا الكون، وما فيه من حقائق مذهلة، تدفعنا الى التدبر والتذكر. الله اجعلنا ممن ينتفعون بالعلم والمعرفة، وثبت قلوبنا بالإيمان الصادق.
وبعد ان بين لنا تعالى بعض آياته في هذا الكون العجيب ليذكرنا بذلك، وينبه الناس من غفلتهم، عطف الحديث هنا ليذكرنا بآياته العجيبة في انفسنا. ذلك لأن الإنسان هو أعظم شيء في الوجود.
﴿ وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون ﴾.
الانشاء: ايجاد الشيء وتربيته. النفس: تطلق على الروح وعلى الشخص المركب من روح وبدن.
والنفس البشرية الأولى هي آدم، والله تعالى هو الذي أوجدكم من أصل واحد هو أب البشر آدم. وتبدأ الحياة من حيوان صغير لا يرى بالعين المجردة، فالنفس هي مستودع لهذه الخلية في صلب الرجل، وهي مستقر لها في رحم الأنثى. ثم تأخذ الحياة في النمو والانتشار في هذه الارض التي هي مكان استقراركم في حياتكم، ومستودع لكم، بعد موتكم. هكذا فصلنا الآيات لقوم يفقهون، وبينا دلائل قدرتنا لقوم يفقهون ما يتلى عليهم، ويدركون الأشياء على وجهها فالفقه هنا، وهو اعمق الفهم، ضروري لإدراك صنع الله في هذه النفس الواحدة التي يخرج منها أشكال وألوان، فيهب الله لمن يشاء اناثا، ويهب لمن يشاء الذكور.
قراءات:
قرأ ابن كثير وابو عمرو: فمستقر بكسر القاف والباقون بفتح القاف.
﴿ وهو الذي أنزل من السمآء مآء... ﴾ الآية.
خضرا: أخضر قنوان: جمع قنو وهو الفرع الصغير في النخلة، ويسمى العذق والعرجون وهو الذي يحمل الثمر.
دانية: قريبة متدلية ينعه: نضجه.
ثم ينقلنا الى مشاهد الحياة المتفتحة في جنبات الارض، فيذكر آية اخرى من آيات التكوين ويبين لنا دور الماء الظاهر في إنبات كل شيء.
وهو الذي أنزل من السحاب ماء فأخرج به نبات كل صنف، جاء بعضه غضا طريا، يخرج منه حب كثير بعضه فوق بعض. ومن غبار طلع النخل تخرج عراجين محملة بالثمار قريبة سهلة التناول. كذلك أخرجنا بفضل الماء جنات من الأعناب والزيتون والرمان، منها ما هو متشابه الثمر في الشكل، وما هو متشابه في الطعم والرائحة. فانظروا ايها الناس في تدبر واعتبار إلى ثمره حين يثمر، والى نضجه كيف تم بعد اطوار مختلفة. ثم وازنوا بين صفاته في كل من الحالين، يتبين لكم لطف الله وقدرته. أليس في ذلك دلائل عظيمة على وجود القادر الحكيم لقوم ينشدون الحق؟!
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي: ثمره بضم الثاء والميم، جمع ثمرة والباقون: ثمره بفتح الثاء والميم.