6.109-110
الطغيان: مجاوزة الحدود. يعمهون: يترددون في الضلال، والعمه للبصيرة كالعمى للبصر.
وأقسموا بالله بأقصى أيمانهم أن لو ظهرت لهم معجزة مادية يرونها بأعينهم لآمنوا، فقل لهم ايها النبي: إن الله يظهر الآيات متى شاء لا حسب رغباتكم.. بل ما يدريك أنهم لن يؤمنوا حتى لو ظهرت! هكذا فعل أسلافهم.
ونقلب قلوبهم وعيونهم فلا يعقلونها، ولا يبصرونها فلا يؤمنون بها كما لم يؤمن آباؤهم بالحق اول مرة، وندعهم في ظلمهم وظغيانهم يترددون.
هنا انتهى الجزء السابع، والحمد لله الذي هدانا لهذا، اللهم ثبت افئدتنا وابصارنا على الحق واحفظنا واهدنا الصراط المستقيم.
6.111-113
قبلا: مواجهة ومعاينة، وبعضهم قال: قبلا جمع قبيل، يعني قبيلا قبيلا. الشيطان: المتمرد العاتي من الجن والانس. يوحي: يعلم بطريق خفي. الزخرف: الزينة، وكل ما يصرف السامع عن الحقائق الى الأوهام. الغرور: الخداع بالباطل. تصغى: تميل الفعل الماضي صغي يصغى. اقترف الذنب: ارتكبه، واقترف المال اكتسبه. العدو: ضد الصديق، يطلق على الجمع والمفرد.
بعد ان بين سبحانه في الآيات السابقة ان مقترحي الآيات الكونية أقسموا بالله لو جاءتهم آية ليؤمنن بها، وان المؤمنين ودوا لو أجيب اقتراحهم، وبين المخادعة في ذلك الاقترح - فصل هنا ما أجمله في قوله ﴿ وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون ﴾ فقال:
﴿ ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة... ﴾ الآية.
وهذه الآية متعلقة بما كان يقترحه مشركو العرب على الرسول من الخوارق فيكون المعنى: ان اولئك الذين أقسموا ان يمؤمنوا اذا جاءتهم أية قوم كاذبون. فحتى لو نزلنا إليهم الملائكة يرونهم رأي العين، وكلمهم الموتى بعد إحيائهم واخراجهم من قبورهم، وجمعنا لهم كل شيء مواجهة وعيانا - لظلوا على كفرهم، ما لم يشأ الله تعالى أن يؤمنوا. إن اكثر هؤلاء المشركين يا محمد يجهلون الحق، قد امتلأت قلوبهم بالحقد والعناد.
قراءت
قرأ نافع وابن عامر " قبلا " بكسر القاف وفتح الباء، والباقون " قبلا " بالضم.
قال ابن عباس: كان المستهزئون بالقرآن خمسة: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاصي ابن وائل السهمي، والأسود بن يغوث الزهري، والأسود بن المطلب، والحارث بن حنظلة: أتوا رسول الله في رهط من أهل مكة وقالوا: أرنا الملائكة يشهدوا بأنك رسول الله، او ابعث بعض موتانا حتى نسألهم: أحق ما تقول أم باطل؟ او ائتنا بالله والملائكة قبيلا.
فالآية ترد عليهم باطلهم وتعنتهم.
﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي.... ﴾.
ومثلما أن هؤلاء عادوك يا محمد وعاندوك رغم أنك تريد هدايتهم فقد واجه كل نبي جاء قبلك أعداء مثلهم. وكانوا من الإنس والجن، يوسوس بعضهم لبعض بكلام مزخرف لا حقيقة فيه، فيشحنونهم بالغرور والباطل. وكانوا يفعلون ذلك بطرق خفية لا يفطن الى باطلها إلا قليل. ولو شاء الله ما فعلوه، لكن ذلك كله بتقدير الله ومشيئته، لتمحيص قلوب المؤمنين. فاترك يا محمد الضالين وما يفترون من كذب، وامض لشأنك، فالنصر لك آخر الأمر.
﴿ ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾.
ان قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة لتستمع الى ذلك الخداع والقول المموه بالباطل فهؤلاء يحصرون همهم كله في الدنيا، ويعتقدون أن الحياة هي الدنيا فقط، وينالون أبتاع النبي بالأذى.
﴿ وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون ﴾.
يعني: تميل افئدة المشركين الى الباطل وترضاه وتخضع للشياطين، ومعجبين بزخرفهم الباطل، فليرتكبوا من هذه الدسائس ما هم مرتكبون فانهم لن يضروك بشيء.