فأجمعوا كيدكم
[طه: 64] الخ، وما قبله توطئة. وقد رد في (المغني) هذا التخريج؛ بأن مجيء (نعم) شاذ حتى نفاه بعضهم. ومنعه الدماميني؛ بأن سيبويه والحذاق حكوه عن الفصحاء.
وعليه، فاللام في ﴿ لساحران ﴾ لام الابتداء، زحلقت للخبر. وأبى البصريون دخولها على الخبر. وزعموا أنها في مثله داخلة على مبتدأ محذوف، أو زائدة، أو دخلت مع (إن) التي بمعنى (نعم) لشبهها بالمؤكدة لفظا.
وأقول: فيه تكلف. والشواهد على اقتران الخبر باللام كثيرة.
وثالثها: أنه لما كان الإعراب لا يظهر في الواحد، وهو (هذا) جعل كذلك في التثنية، ليكون المثنى كالمفرد. لأنه فرع عليه. واختار هذا القول الإمام العلامة تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى، وزعم أن بناء المثنى، إذا كان مفرده مبنيا، أفصح من إعرابه قال: وقد تفطن لذلك غير واحد من حذاق النحاة. ثم اعترض بأمرين:
أحدهما: أن السبعة أجمعوا عل الياء في قوله تعالى:
إحدى ابنتي هاتين
[القصص: 27] مع أن هاتين تثنية (هاتا) وهو مبني.
والثاني: أن (الذي) مبني وقد قالوا في تثنيته (اللذين) في الجر والنصب. وهي لغة القرآن، كقوله تعالى:
ربنآ أرنا الذين أضلانا
[فصلت: 29] وأجاب الأول؛ بأنه إنما جاء ﴿ هاتين ﴾ بالياء على لغة الإعراب لمناسبة (ابنتي) قال: فالإعراب هنا أفصح من البناء، لأجل المناسبة. كما أن البناء في ﴿ إن هذان لساحران ﴾ أفصح من الإعراب لمناسبة الألف في ﴿ هذان ﴾ للألف في ﴿ لساحران ﴾. وأجاب عن الثاني بالفرق بين (اللذان) و(هذان) بأن (اللذان) تثنية اسم ثلاثي، فهو شبيه (بالزيدان) و(هذان) تثنية اسم على حرفين. فهو عريق في البناء لشبهه بالحروف. قال رحمه الله: وقد زعم قوم أن قراءة من قرأ: ﴿ إن هذان ﴾ لحن وإن عثمان رضي الله عنه قال: (إن في المصحف لحنا وستقيمه العرب بألسنتها). وهذا خبر باطل لا يصح من وجوه:
أحدها: إن الصحابة كانوا يتسارعون إلى إنكار أدنى المنكرات، فكيف يقرون اللحن في القرآن، مع أنهم لا كلفة عليهم في إزالته؟
والثاني: أن العرب كانت تستقبح اللحن غاية الاستقباح في الكلام , فكيف لا يستقبحون بقاءه في المصحف؟
والثالث: أن الاحتجاج بأن العرب ستقيمه بألسنتها غير مستقيم. لأن المصحف الكريم يقف عليه العربي والعجمي.
والرابع: أنه قد ثبت في الصحيح أن زيد بن ثابت أراد أن يكتب (التابوت) بالهاء على لغة الأنصار، فمنعوه من ذلك ورفعوه إلى عثمان رضي الله عنهم. فأمرهم أن يكتبوه بالتاء على لغة قريش. ولما بلغ عمر رضي الله عنه أن ابن مسعود رضي الله عنه قرأ: عتى حين، على لغة هذيل، أنكر ذلك عليه وقال: أقرئ الناس بلغة قريش. فإن الله تعالى إنما أنزله بلغتهم، ولم ينزله بلغة هذيل. انتهى كلام تقي الدين مخلصا.
هذا حاصل ما في (المغني) و(الشذور) و(حواشيهما) وفي الآية وجوه أخرى استقصتها المطولات. وما ذكرناه أرقها. وقوله تعالى: ﴿ فأجمعوا كيدكم... ﴾.