تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخامس: (التأسيس) وضع الأساس، وهو أصل البناء، وأوله، وبه إحكامه، ففي الآية شبه التقوى والرضوان تشبيها مكنيا مضمرا في النفس، بما يعتمد عليه أصل البناء. و ﴿ أسس بنيانه ﴾ تخييل، فهو مستعمل في معناه الحقيقي، أو هو مجاز بناء على جوازه، فتأسيس البنيان بمعنى إحكام أمور دينه، أو تمثيل لحال من أخلص لله وعمل الأعمال الصالحة، بحال من بنى بناء محكما مؤسسا يستوطنه ويتحصن به. أو (البنيان) استعارة أصلية، و(التأسيس) ترشيح أو تبعية، و(الشفا): الحرف والشفير. و (جرف الوادي): جانبه الذي يتحفر أصله بالماء، وتجرفه السيول، فيبقى واهيا. و(الهار): الهائر: وهو المتصدع الذي أشفى على التهدم والسقوط. قيل: هو مقلوب، وأصله (هاور) أو (هاير). وقيل: حذفت عينه اعتباطا، فوزنه (فال). والإعراب على رائه كباب، وقيل: لا قلب فيه ولا حذف، ووزنه في الأصل (فعل) بكسر العين، ككتف، وهو (هور) أو (هير)، ومعناه ساقط أو مشرف على السقوط. وفاعل (انهار)، إما ضمير البنيان، وضمير (به) للمؤسس، أي: سقط بنيان الباني بما عليه. أو ل (الشفا)، وضمير (به) للبنيان. والظاهر في التقابل أن يقال: أم من أسس بنيانه على ضلال وباطل وسخط من الله، ولذا قال في الكشاف: المعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة قوية، وهي الحق، الذي هو تقوى الله ورضوانه، خير أم من أسسه على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها، وأقلها بقاء، وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار في قلة الثبات والاستمساك. وضع (شفا الجرف) في مقابلة (التقوى)، لأنه جعل مجازا عما ينافي التقوى، يعني أنه شبه الباطل ب (شفا جرف هار) في قلة الثبات، فاستعير للباطل بقرينة مقابلته للتقوى، والتقوى حق، ومنافي الحق هو الباطل.

وقوله: ﴿ فانهار ﴾ ترشيح، وباؤه للتعدية، أو للمصاحبة، ف (شفا جرف هار) استعارة تصريحية تحقيقية، والتقابل باعتبار المعنى المجازي المراد منها.

فإن قلت: لماذا غاير بينهما حيث أتى بالأول على طريقة الكناية والتخييل، وبالثاني على طريق الإستعارة والتمثيل؟

قلت: التفنن في الطريق رعاية لحق البلاغة، وعدولا عن الظاهر، مبالغة في الطرفين، إذ جعل أولئك مبنيا على تقوى ورضوان، هو أعظم من كل ثواب، وحال هؤلاء على فساد أشرف بهم على أشد نكال وعذاب، ولو أتى به على مقتضى الظاهر لم يفده، مع ما فيه من التهويل.

وقولنا: (فانهار ترشيح) أوضحه الكشاف بقوله: لم جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل، قيل: ﴿ فانهار به في نار جهنم ﴾ على معنى فطاح به الباطل في نار جهنم، إلا أنه رشح المجاز فجيء بلفظ الإنهيار الذي هو للجرف، وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانا على شفا جرف من أودية جهنم، فانهار به ذلك الجرف، فهوى في قعرها.

السادس: دلت الآية على أن كل مسجد بني على ما بني عليه مسجد الضرار، أنه لا حكم له ولا حرمة، ولا يصح الوقف عليه. وقد حرق الراضي بالله كثيرا من مساجد الباطنية والمشبهة والمجبرة وسبل بعضها. نقله بعض المفسرين.

قال الزمخشري: قيل: كل مسجد بني مباهاة أو رياء وسمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله، أو بمال غير طيب - فهو لاحق بمسجد الضرار. وعن شقيق أنه لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر، فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا فيه بعد، فقال: لا أحب أن أصلي فيه، فإنه بني على ضرار، كل مسجد بني على ضرار، أو رياء وسمعة فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بني ضرارا.

وعن عطاء: لما فتح الله تعالى الأمصار على يد عمر رضي الله عنه، أمر المسلمين أن يبنوا المساجد، وألا يتخذوا في مدينة مسجدين، يضار أحدهما صاحبه - انتهى.

وقال الإمام ابن القيم في (زاد المعاد) في فوائد غزوة تبوك: ومنها تحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله ورسوله فيها وهدمها، كما حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وأمر بهدمه، وهو مسجد يصلى فيه، ويذكر إسم الله فيه. لما كان بناؤه ضرارا وتفريقا بين المؤمنين، ومأوى للمنافقين، وكل مكان هذا شأنه، فواجب على الإمام تعطيله، إما بهدم أو تحريق، وإما بتغيير صورته وإخراجه عما وضع له. وإذا كان هذا شأنه مسجد الضرار، فمشاهد الشرك التي تدعو سدنتها إلى اتخاذ من فيها أندادا من دون الله، أحق بذلك وأوجب، وكذلك محال المعاصي والفسوق، كالحانات وبيوت الخمارين وأرباب المنكرات. وقد حرق عمر رضي الله عنه قرية بكاملها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي وسماه (فويسقا)، وأحرق قصر سعد عليه لما احتجب عن الرعية.

محاسن التأويل · الصفحة ١٤٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٤٦١