9.29
﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ اعلم أنه لما ذكر تعالى حكم المشركين في إظهار البراءة من عهدهم، وفي إظهار البراءة عنهم في أنفسهم، وفي وجوب مقاتلتهم، وفي تبعيدهم عن المسجد الحرام، وعدم الخوف من الفاقة المتوهمة من انقطاعهم - ذكر بعده حكم أهل الكتاب، هو أن يقاتلوا إلى أن يسلموا أو يعطوا الجزية، منبها في تضاعيف ذلك على بعض طرق الإغناء الموعود على الوجه الكلي، مرشدا إلى سلوكه ابتغاء لفضله، واستنجازا لوعده.
قال مجاهد: نزلت الآية حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال الروم، فغزا بعد نزولها غزوة تبوك.
وقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود، فصالحهم، فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام، وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين. انتهى.
ولا يخفى شمول الآية لكل ذلك بلا تخصيص.
قال ابن كثير: هذه الآية أول أمر نزل بقتال أهل الكتاب - اليهود والنصارى - وكان ذلك في سنة تسع، ولهذا تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم، ودعا الناس إلى ذلك، وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة، فندبهم، فأوعبوا معه، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم، وكان ذلك في عام جدب، ووقت قيظ وحر. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الشام لقتال الروم، فبلغ تبوك، ونزل بها، وأقام بها قريبا من عشرين يوما، ثم استخار الله في الرجوع، فرجع عامة ذلك لضيق الحال، وضعف الناس، كما سيأتي بيانه بعد إن شاء الله تعالى. انتهى.
والتعبير عن (أهل الكتاب) بالموصول المذكور، للإيذان بعلية ما في حيز الصلة للأمر بالقتال، فإنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، كما أمر تعالى، إذ لديهم من فساد العقيدة، فيما يجب له تعالى، وفي البعث، أعظم ضلال وزيغ، ﴿ ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ﴾ ، يعني: ما ثبت تحريمه في الكتاب والسنة. وقيل: المراد برسوله الرسول الذي يزعمون اتباعه، فالمعنى أنهم يخالفون أصل دينهم المنسوخ اعتقادا وعملا، إذ غيروا وبدلوا أتباعا لأهوائهم.
قال الشهاب: فيكون المراد: لا يتبعون شريعتنا ولا شريعتهم، ومجموع الأمرين سبب لقتالهم، وقوله تعالى: ﴿ دين الحق ﴾ من إضافة الموصوف للصفة، أو المراد ب ﴿ الحق ﴾ ، الله تعالى. وقوله تعالى: ﴿ حتى يعطوا الجزية ﴾ أي: ما تقرر عليهم أن يعطوه.
قال ابن الأثير: الجزية المال الذي يعقد عليه الكتابي الذمة، وهي (فعلة) من الجزاء، كأنها جزت عن قتله.
وقال الراغب: سميت بذلك للاجتزاء بها عن حقن دمهم.
وقال الشهاب: قيل: مأخذها من (الجزاء) بمعنى القضاء. يقال: جزيته بما فعل، أي: جازيته، أو أصلها الهمز من (الجزء والتجزئة)، لأنها طائفة من المال يعطى، وقيل: إنها معرب (كزيت)، وهو الجزية بالفارسية. انتهى.
وقوله تعالى: ﴿ عن يد ﴾ حال من فاعل ﴿ يعطوا ﴾ و(اليد) هنا إما بمعنى الإستسلام والإنقياد، ويقال: هذه يدي لك، أي: استسلمت إليك، وانقدت لك، وأعطى يده أي: انقاد. كما يقال في خلافه: نزع يده من الطاعة. لأن من أبى وامتنع، لم يعط يده، بخلاف المطيع المنقاد، وإما بمعنى النقد، أي: حتى يعطوها نقدا غير نسيئة، فيكون ك(اليد) في قوله صلى الله عليه وسلم:
" لا تبيعوا الذهب والفضة "
.. إلى قوله:
" يدا بيد "
وإما بمعنى الجارحة الحقيقية، و ﴿ عن ﴾ بمعنى الباء، أي: لا يبعثون بها عن يد أحد، ولكن عن يد المعطي إلى يد الآخذ. وإما بمعنى: من طيبة نفس؛ قال أبو عبيدة: كل من انطاع لقاهر بشيء أعطاه، من غير طيب نفس به وقهر له، من يد في يد، فقد أعطاه عن يد. وإما بمعنى الجماعة، أنشد ابن الأعرابي: