تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إني على جناح سفر، وحال شغل، ولو قدمنا، إن شاء الله تعالى، أتيناكم، فصلينا لكم فيه "

فلما نزل بذي أوان - موضع على ساعة من المدينة - أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي أو أخاه عامرا، فقال:

" انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله، فاهدماه وحرقاه "

فخرجا سريعين، حتى أتيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل أهله، فأخذ سعفا من النخل، فأشعل فيه نارا، ثم خرجا يشتدان، حتى دخلا المسجد، وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه، ونزل فيهم ما نزل - ذكره ابن كثير، وأسند أطرافه إلى ابن إسحاق وابن مردويه.

وروي أن بني عمرو بن عوف الذين بنوا مسجد قباء أتوا عمر بن الخطاب في خلافته، فسألوه أن يأذن لمجمع بن جارية أن يؤمهم في مسجدهم فقال: لا، ونعمة عين! أليس هو إمام مسجد الضرار؟ قال مجمع: يا أمير المؤمنين، لا تعجل علي، فوالله! لقد صليت فيه وأنا لا أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت معهم فيه، وكنت غلاما قارئا للقرآن، وكانوا شيوخا لا يقرؤون، فصليت بهم، ولا أحسب إلا أنهم يتقربون إلى الله، ولم أعلم ما في نفوسهم. فعذره عمر، فصدقه وأمره بالصلاة في مسجد قباء.

الثالث: ما قدمناه من أن المسجد في الآية هو مسجد قباء؛ لأن السياق في معرضه، وبيان أحقية الصلاة فيه من ذاك، لأنه أسس على طاعة الله وطاعة رسوله، وجمع كلمة المؤمنين. ولما في الآية من الإشعار بالحث على تعاهده بالصلاة فيه، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزوره راكبا وماشيا، ويصلي فيه ركعتين - كما في الصحيح -.

وقد روي عن عويم بن ساعدة الأنصاري

" أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم في مسجد قباء فقال: " إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ " فقالوا، يا رسول الله، ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه أو مقعدته بالماء "

- رواه الإمام احمد وأبو داود والطبراني، واللفظ له.

وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: هو مسجده رواه الإمام أحمد ومسلم.

قال ابن كثير: ولا منافاة؛ لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطريق الأولى والأحرى - انتهى.

ومرجعه إلى أن هذا الوصف - وإن كان يصدق عليهما - إلا أن الأحرى به بعد، هو المسجد النبوي، أي: فالحديث ليس في معرض تعيين ما في الآية، بل في بيان الأحق بهذا الوصف الآن.

وقال السهروردي: كل منهما مراد؛ لأن كلا منهما أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه.

والسر في إجابته صلى الله عليه وسلم السؤال عن ذلك، دفع ما توهمه السائل من اختصاص ذلك بمسجد قباء، والتنويه بمزية هذا عن ذاك.

الرابع: قال السهيلي، نور الله مرقده: في الآية - يعني قوله تعالى: ﴿ من أول يوم ﴾ - من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مع عمر رضي الله عنه حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم على أن يكون من عام الهجرة؛ لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام، والحين الذي أمن فيه النبي صلى الله عليه وسلم، وبنيت المساجد، وعبد الله كما يحب، فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل، وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله تعالى: ﴿ من أول يوم ﴾ أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي يؤرخ به الآن.

فإن كان الصحابة أخذوه من هذه الآية، فهو الظن بهم؛ لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله وأفهمهم بما في القرآن من الإشارات، وإن كان ذلك على رأي واجتهاد، فقد علمه الله وأشار إلى صحته قبل أن يفعل، إذ لا يعقل قول القائل: فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام معلوم، أو شهر معلوم، أو تاريخ معلوم. وليس هاهنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم، لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو حال، فتدبره، ففيه معتبر لمن ادكر، وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر.

محاسن التأويل · الصفحة ١٤٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٤٦٠