وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريق بيوت تاركي حضور الجماعة والجمعة، وإنما منعه من فيها من النساء والذرية الذين لا تجب عليهم، كما أخبر هو عن ذلك - انتهى.
ثم قال ابن القيم: ومنها أن الوقف لا يصح على غير بر ولا قربة، كما لم يصح وقف هذا المسجد. وعلى هذا فيهدم المسجد إذا بني على قبر، كما ينبش الميت إذا دفن في المسجد نص على ذلك الإمام أحمد وغيره - فلا يجتمع في دين الإسلام مسجد وقبر، بل أيهما طرأ على الآخر منع منه، وكان الحكم للسابق، فلو وضعا معا لم يجز. ولا يصح هذا الوقف، ولا يجوز، ولا تصح الصلاة في هذا المسجد، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولعنه من اتخذ القبر مسجدا، أو أوقد عليه سراجا.
قال ابن القيم: فهذا دين الإسلام الذي بعث به رسوله ونبيه، وغربته بين الناس كما ترى. انتهى.
السابع: قال بعض المفسرين اليمانيين: في الآية دلالة على فضل المسجد الموصوف بهذه الصفة، يعني التأسيس على التقوى، وفيها: أن نية القربة في عمارة المسجد شرط، لأن النية هي التي تميز الأفعال. وفيها: أنه لا يجوز تكثير سواد الكفار - ذكر ذلك الحاكم؛ لأنه قال تعالى: ﴿ لا تقم فيه أبدا ﴾ وأراد ب (القيام) الصلاة.
الثامن: قال ابن كثير: في الآية دليل على استحباب الصلاة في المساجد القديمة المؤسسة من أول بنائها على عبادة الله وحده، لا شريك له وعلى استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين، والعباد العاملين المحافظين على إسباغ الوضوء، والتنزه عن ملابسة القاذورات.
وقد روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح فقرأ الروم فأوهم، فلما انصرف قال:
" إنه يلبس علينا القرآن، إن أقواما منكم يصلون معنا لا يحسنون الوضوء، فمن شهد الصلاة معنا فليحسن الوضوء "
فدل هذا على أن إكمال الطهارة يسهل القيام في العبادة، ويعين على إتمامها وإكماله، والقيام بمشروعاتها.
التاسع: ذهب أبو العالية والأعمش إلى أن المراد من الطهارة في الآية، الطهارة من الذنوب، والتوبة منها، والتطهر من الشرك.
قال الرازي: وهذا القول متعين، لأن التطهر من الذنوب والمعاصي هو المؤثر في القرب من الله تعالى، واستحقاق ثوابه ومدحه، ولأنه تعالى وصف أصحاب مسجد الضرار بمضارة المسلمين، والكفر بالله، والتفريق بني المسلمين، فوجب كون هؤلاء بالضد من صفاتهم، وما ذلك إلا كونهم مبرئين عن الكفر والمعاصي. انتهى.
أقوال: لا تسلم دعوى التعين، فإن اللفظ يتناول الطهارتين الباطنة والظاهرة. بل الثانية ما رواه أصحاب السنن والإمام أحمد وابن خزيمة في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأهل قباء:
" " قد أثنى الله عليكم في الطهور، فماذا تصنعون؟ " فقالوا: نستنجي بالماء ".
وروى البزار عن ابن عباس قال: هذه الآية في أهل قباء، سألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نتبع الحجارة بالماء. فإن صح ذلك كان المراد من الآية، وتكون حثا على الطهارة المذكورة، ومدحا لها. وكون ذويها على الضد من صفات أولئك، يستفاد من عموم هذا، ومن قوله تعالى: ﴿ لمسجد أسس على التقوى... ﴾ الآية.
العاشر: قال القاشاني: لما كان عالم الملك تحت قهر عالم الملكوت، وتسخيره، لزم أن يكون لنيات النفوس وهيئاتها تأثير فيما يباشرها من الأعمال، فكل ما فعل بنية صادقة لله تعالى عن هيئة نورانية، صحبته بركة ويمن وجمعية وصفا، وكل ما فعل بنية فاسدة شيطانية عن هيئة مظلمة، صحبته تفرقة وكدورة ومحق وشؤم. ألا ترى الكعبة كيف شرفت وعظمت وجعلت متبركة لكونها مبنية على يدي نبي من أنبياء الله، بنية صادقة، ونفس شريفة صافية، عن كمال إخلاص لله تعالى؟ ونحن نشاهد أثر ذلك في أعمال الناس، ونجد أثر الصفاء والجمعية في بعض المواضع والبقاع، والكدورة والتفرقة في بعضها. وما هو إلا لذلك، فلهذا قال: ﴿ لمسجد أسس على التقوى... ﴾ الآية - لأن الهيئات الجسمانية مؤثرة في النفوس، كما أن الهيئات النفسانية مؤثرة في الأجسام، فإذا كان موضع القيام مبنيا على التقوى وصفاء النفس، تأثرت النفس باجتماع الهم، وصفاء الوقت، وطيب الحال، وذوق الوجدان، وإذا كان مبنيا على الرياء والضرار، تأثرت بالكدورة والتفرقة والقبض. وفيه إشعار بأن زكاء نفس الباني، وصدق نيته، مؤثر في البناء، وأن تبرك المكان، وكونه مبنيا على الخير، يقتضي أن يكون فيه أهل الخير والصلاح، ممن يناسب حاله حال بانيه، وأن محبة الله واجبة لأهل الطهارة لقوله: ﴿ والله يحب المطهرين ﴾.