تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.121

﴿ ولا ينفقون نفقة صغيرة ﴾ أي: لا يشق مثلها ﴿ ولا كبيرة ﴾ مثل ما أنفق عثمان رضي الله عنه في غزوة تبوك، وهو ألف دينار وثلاثمائة بغير بأحلاسها وأقتابها ﴿ ولا يقطعون واديا ﴾ في مسيرهم، وهو كل منفرج ينفذ فيه السيل، إسم فاعل من (ودي) إذا سال، فهو السيل نفسه، ثم شاع في محله، ثم صار حقيقة في مطلق الأرض، و جمعه (أودية) كناد، بمعنى مجلس، جمعه (أندية)، وناج جمعه (أنجية) ولا رابع لها في كلام العرب ﴿ إلا كتب لهم ﴾ أي: أثبت لهم به عمل صالح ﴿ ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون ﴾ أي: ليجزيهم على كل عمل لهم، كامل أو قاصر، جزاء أحسن أعمالهم، أي فإذا مالوا بأنفسهم فاتهم ذلك، وكانت المؤاخذة عليهم أشد.

ولما بين تعالى، فيما تقدم، خطر التخلف عن الرسول في الجهاد، وشدد الوعيد على المتخلفين التاركين للنفير، دفع ما يتوهم من وجوب النفر على الجميع، وفيه ما فيه من الحرج، والإخلال بأمر المعاش، بأن وجوبه كفائي، فقال سبحانه:

﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا... ﴾.

9.122

﴿ وما كان المؤمنون لينفروا كآفة ﴾ أي: ما صح لهم ذلك ولا استقام، بحيث تخلو بلدانهم عن الناس ﴿ فلولا نفر ﴾ أي: فحين لم يمكن نفير الكافة، ولم يكن مصلحة، فهلا نفر ﴿ من كل فرقة منهم طآئفة ﴾ أي: من كل جماعة كثيرة، جماعة قليلة منهم يكفونهم النفير ﴿ ليتفقهوا في الدين ﴾ أي: ليتعلموا أمر الدين من النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ولينذروا قومهم ﴾ أي: يعلموهم ويخبروهم ما أمروا به، وما نهوا عنه ﴿ إذا رجعوا إليهم ﴾ أي: من غزوتهم ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ أي: فيصلحون أعمالهم.

تنبيهات

الأول: قال السيوطي في (الإكليل): في الآية أن الجهاد فرض كفاية، وأن التفقه في الدين، ونشر العلم، وتعليم الجاهلين كذلك، وفيها الرحلة في طلب العلم. واستدل بها قوم على قبول خبر الواحد، لأن الطائفة نفر يسير، بل قال مجاهد: إنها تطلق على الواحد. انتهى.

وقال الجصاص في (الأحكام): في الآية دلالة على لزوم خبر الواحد في الديانات التي لا تلزم العامة، ولا تعم الحاجة إليها، وذلك لأن الطائفة لما كانت مأمورة بالإنذار انتظم فحوى الدلالة عليه من وجهين: أحدهما: أن الإنذار يقتضي فعل المأمور به، وإلا لم يكن إنذارا. والثاني: أمره إيانا بالحذر عند إنذار الطائفة؛ لأن معنى قوله: ﴿ لعلهم يحذرون ﴾ ليحذروا، وذلك يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد؛ لأن الطائفة تقع على الواحد، فدلالتها ظاهرة. انتهى.

وفي القاموس: أن الطائفة من الشيء القطعة منه، أو الواحدة فصاعدا، أو إلى الألف، أو أقلها رجلان، أو رجل، فيكون بمعنى (النفس الطائفة).

قال الراغب: إذا أريد بالطائفة الجمع، فجمع (طائف) وإذا أريد به الواحد، فيصح أن يكون جمعا، وكني به عن الواحد، وأن يجعل ك (راوية) و (علامة) ونحو ذلك.

الثاني: إن قيل: كان الظاهر في الآية (ليتفقهوا في الدين وليعلموا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يفقهون) فلم وضع موضع (التعليم) الإنذار، وموضع (يفقهون) يحذرون؟ يجاب: بأن ذلك آذن بالغرض منه، وهو اكتساب خشية الله، والحذر من بأسه.

قال الغزالي رحمه الله: كان اسم الفقه في العصر الأول، اسما لعلم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسدة الأعمال، والإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، ويدل عليه هذه الآية. كذا في (العناية).

قال الزمخشري في الآية: وليجعلوا غرضهم ومرمى همتهم في التفقه، إنذار قومهم وإرشادهم والنصيحة لهم، لا ما ينتحيه الفقهاء من الأغراض الخسيسة، ويؤمونه من المقاصد الركيكة، من التصدر والترؤس والتبسط في البلاد، والتشبه بالظلمة في ملابسهم ومراكبهم، ومنافسة بعضهم بعضا، وفشو داء الضرائر بينهم، وانقلاب حماليق أحدهم إذا لمح ببصره مدرسة لآخر، أو شرذمة جثوا بين يديه، وتهالكه على أن يكون موطأ العقب دون الناس كلهم.

محاسن التأويل · الصفحة ١٤٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٤٧٥