تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما نقم الناس من أمية إلا

أنهم يحلمون إن غضبوا

وقول النابغة:

ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم

بهن فلول من قراع الكتائب

ويقال: نقم من فلان الإحسان (كعلم) إذا جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة. كما في (التاج).

ثم دعاهم تعالى إلى التوبة بقوله: ﴿ فإن يتوبوا ﴾ أي: من الكفر والنفاق ﴿ يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ﴾ أي: بالقتل والهم والغم ﴿ والآخرة ﴾ أي: بالنار وغيره ﴿ وما لهم في الأرض من ولي ﴾ أي: يشفع لهم في دفع العذاب ﴿ ولا نصير ﴾ أي: فيدفعه بقوته.

ثم بين تعالى بعض من نقم لإغناء الله تعالى إياه بما آتاه من فضله، ممن نكث في يمينه، وتولى عن التوبة، بقوله سبحانه:

﴿ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله... ﴾.

9.75-78

﴿ ومنهم من عاهد الله ﴾ أي: حلف به ﴿ لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ﴾ أي: بإعطاء كل ذي حق حقه.

﴿ فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا ﴾ أي: عن العهد ﴿ وهم معرضون ﴾.

﴿ فأعقبهم ﴾ أي: فجعل الله عاقبة فعلهم ذلك، أو فأورثهم البخل ﴿ نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه ﴾ أي: من التصدق والصلاح ﴿ وبما كانوا يكذبون ﴾ في العهد.

﴿ ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم ﴾ أي: ما أسروه من النفاق والعزم على إخلاف ما وعدوه وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين ﴿ وأن الله علام الغيوب ﴾ أي: ما غاب عن العباد.

تنبيهات

الأول: قال السيوطي في (لباب النقول): أخرج الطبراني وابن مردويه وابن أبي حاتم والبيهقي في (الدلائل) بسند ضعيف عن أبي أمامة؛

" أن ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا. قال: " ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدي شكره، خير من كثير لا تطيقه ". قال: والله لئن آتاني الله مالا لأوتين كل ذي حق حقه. فدعا له، فاتخذ غنما، فنمت حتى ضاقت عليه أزقة المدينة، فتنحى بها، وكان يشهد الصلاة، ثم يخرج إليها، ثم نمت حتى تعذرت عليه مراعي المدينة، فتنحى بها، وكان يشهد الصلاة ثم يخرج إليها، ثم نمت حتى تعذرت عليه مراعي المدينة، فتنحى بها، فكان يشهد الجمعة ثم يخرج إليها، ثم نمت، فتنحى بها، فترك الجمعة والجماعات، ثم أنزل الله على رسوله: ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ﴾ [التوبة: 103]، فاستعمل على الصدقات رجلين، وكتب لهما كتابا، فأتيا ثعلبة، فأقرآه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: انطلقا إلى الناس، فإذا فرغتم فمروا بي ففعلا، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية، فانطلقا، فأنزل الله: ﴿ ومنهم من عاهد الله... ﴾ إلى قوله: ﴿ يكذبون... ﴾ "

الحديث.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس نحوه، وفيه أنه جاء بعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم بصدقته فقال له:

" إن الله منعني أن أقبل منك "

، فجعل التراب على رأسه. فقال:

" هذا عملك، قد أمرتك فلم تطعني "

، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بها إلى أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبلها، وكذا عمر وعثمان، ثم إنه هلك في أيام عثمان.

قال الشهاب: مجيء ثعلبة وحثوه التراب، ليس للتوبة من نفاقه، بل للعار من عدم قبول زكاته مع المسلمين، وقوله صلوات الله عليه: " هذا عملك " ، أي: جزاء عملك، وهو عدم إعطائه المصدقين، مع مقالته الشنعاء.

قال الحاكم: إن قيل: كيف لم تقبل صدقته وهو مكلف بالتصدق؟ أجيب: بأنه يحتمل أن الله تعالى أمر بذلك، كيلا يجترئ الناس على نقض العهد، ومخالفة أمر الله تعالى، ورد سعاة النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون لطفا في ترك البخل والنفاق.

الثاني: قال بعض المفسرين من الزيدية: ثمرة الآية وسبب نزولها أحكام:

منها: أن الوفاء بالوعد واجب، إذا تعلق العهد بواجب، والعهد إن حمل على اليمين بالله، فذلك ظاهر، وإن حمل على النذر، ففي ذلك تأكيد لما أوجب الله.

محاسن التأويل · الصفحة ١٤٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٤٢٩