تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

9.59

﴿ ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله ﴾ أي: كفانا فضله، وما قسمه لنا ﴿ سيؤتينا الله من فضله ورسوله ﴾ أي: بعد هذا، حسبما نرجو ونؤمل ﴿ إنآ إلى الله راغبون ﴾ أي: في أن يغنمنا ويخولنا فضله. والجواب محذوف بناء على ظهوره. أي: لكان خيرا لهم.

روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري قال:

" بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم فيئا، أتاه ذو الخويصرة - رجل من بني تميم - فقال: يا رسول الله، اعدل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟ " فقال عمر بن الخطاب: إيذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " ".

9.60

﴿ إنما الصدقات للفقرآء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ﴾ لما ذكر تعالى لمزهم في الصدقات، تأثره ببيان حقية ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من القسمة، إذ لم يتجاوز فيها مصارفها المشروعة له، وهو عين العدل، وذلك أنه تعالى شرع قسمها لهؤلاء، ولم يكله إلى أحد غيره، ولم يأخذ صلى الله عليه وسلم منها لنفسه شيئا، ففيم اللمز لقاسمها، صلوات الله عليه؟

روى البخاري عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، والله يعطي ".

وروى أبو داود عن زياد بن الحارث رضي الله عنه قال:

" أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته، فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: " إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك " ".

فالآية رد لمقالة أولئك اللمزة، وحسم لأطماعهم، ببيان أنهم بمعزل من الإستحقاق. وإعلام بمن إعطاؤهم عدل، ومنعهم ظلم.

والفقراء، جمع فقير، فعيل بمعنى فاعل، يقال: فقر يفقر من باب تعب، إذا قل ماله.

والمساكين: جمع مسكين، من (سكن سكونا)، ذهبت حركته، لسكونه إلى الناس، وهو بفتح الميم في لغة بني أسد، وبكسرها عند غيرهم. قال ابن السكيت: المسكين الذي لا شيء له، والفقير الذي له بلغة من العيش. وكذلك قال يونس، وجعل الفقير أحسن حالا من المسكين. قال: وسألت أعرابيا: أفقير أنت؟ فقال: لا، والله! بل مسكين، وقال الأصمعي: المسكين أحسن حالا من الفقير، وهو الوجه، لأن الله تعالى قال:

أما السفينة فكانت لمساكين

[الكهف: 79] وكانت تساوي جملة، وقال في حق الفقراء:

لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف

[البقرة: 273] وقال ابن الأعرابي: المسكين هو الفقير، وهو الذي لا شيء له، فجعلهما سواء. كذا في (المصباح).

قال البدر القرافي: وإذا اجتمعا افترقا، كما إذا أوصي للفقراء والمساكين، فلا بد من الصرف للنوعين، وإن افترقا اجتمعا، كما إذا أوصي لأحد النوعين، جاز الصرف للآخر.

قال المهايمي: ثم ذكر تعالى من يحتاج إليهم المحتاجون إلى الصدقات، فقال: ﴿ والعاملين عليها ﴾ أي: الساعين في تحصيلها: القابض والوازن والكيال والكاتب، يعطون أجورهم منها.

ثم ذكر من يحتاج إليهم الإمام فقال: ﴿ والمؤلفة قلوبهم ﴾.

وهم قوم ضعفت نيتهم في الإسلام، فيحتاج الإمام إلى تأليف قلوبهم بالعطاء، تقوية لإسلامهم، لئلا يسري ضعفهم إلى غيرهم، أو أشراف يترقب بإعطائهم إسلام نظرائهم.

ثم ذكر تعالى من يعان بها في دفع الرق بقوله: ﴿ وفي الرقاب ﴾.

أي: وللإعانة في فك الرقاب، فيعطي المكاتبون منها ما يستعينون به على أداء نجوم الكتابة، وإن كانوا كاسبين، وهو قول الشافعي والليث، أو: وللصرف في عتق الرقاب، بأن يبتاع منها الرقاب فتعتق. قال ابن عباس والحسن: لا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق. ولا يخفى أن (الرقاب) يعم الوجهين، وقد ورد في ثواب الإعتاق وفك الرقبة أحاديث كثيرة.

محاسن التأويل · الصفحة ١٤١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٤١٤