تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلت: ما ذكره الشافعي هو من ظهوره، والأدق ما تقدم، من أنه سوف يعتنقه كل فرقة، فإن ما تذهب إليه طوائف الإصلاح من الملل الأخرى لا يبعد الآن عن الإسلام إلا قليلا.

ثم بين تعالى حال الأحبار والرهبان في إغوائهم لأراذلهم، إثر بيان سوء حال الأتباع في اتخاذهم لهم أربابا يطيعونهم في الأوامر والنواهي، واتباعهم لهم فيما يأتون وما يذرون، بقوله سبحانه:

﴿ يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من... ﴾.

9.34-35

﴿ يأيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ﴾ أي: بالطريق المنكر من الرشا في الأحكام والتخفيف والمسامحة في الشرائع وغير ذلك. و(الأكل) مجاز عن الأخذ، بعلاقة العلية والمعلولية؛ لأنه الغرض الأعظم منه، وفيه من التقبيح لحالهم، وتنفير السامعين عنه ما لا يخفى ﴿ ويصدون عن سبيل الله ﴾ أي: عن دين الإسلام وحكمه، واتباع الدلائل، إلى ما يهوون، أو عن المسلك المقرر في التوراة والإنجيل، إلى ما افتروه وحرفوه.

ثم أشار إلى أن سبب ذلك هو إيثارهم حب المال وكنزه، على أمر الله، وتناسيهم وعيده في الكنز بقوله سبحانه: ﴿ والذين يكنزون الذهب والفضة ﴾ أي: يحفظونهما حفظ المدفون في الأرض ﴿ ولا ينفقونها في سبيل الله ﴾ أي: الذي هو الزكاة، ﴿ فبشرهم بعذاب أليم ﴾.

﴿ يوم يحمى عليها ﴾ أي: يوقد عليها ﴿ في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم ﴾ أي: ويقال لهم، ضما إلى ما هم فيه، هذا ما كنزتم ﴿ لأنفسكم ﴾ أي: لتتلذذوا به، فكان سبب تعذيبها ﴿ فذوقوا ما كنتم تكنزون ﴾ أي: وباله، وهو ألمه، وشدته بالكي.

وفي هذه الآية فوائد

الأولى: قال بعضهم: في قوله تعالى: ﴿ ليأكلون ﴾ دلالة على تحريم الرشا على الباطل، وقد ورد:

" لعن الله الراشي والمرتشي "

، وكذا تحريم أخذ العوض على فعل الواجب، وفي جواز الدفع للدافع ليتوصل إلى حقه خلاف. رجح الجواز ليتوصل إلى الحق، كالاستفداء. قال الحاكم: يدخل في تحريم الرشا، الأحكام والشهادات والفتاوى وأصول الدين وفروعه، وكل من حرف شيئا لغرض الدنيا. انتهى.

الثانية: في الآية: كما قال ابن كثير: تحذير من علماء السوء، وعباد الضلال، كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى. وفي الحديث الصحيح:

" " لتركبن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة " قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟ "

، وفي رواية:

" فارس والروم؟ قال: " ومن الناس إلا هؤلاء؟ "

ثم أنشد لابن المبارك:

وهل أفسد الدين إلا الملو

ك، وأحبار سوء ورهبانها

الثالثة: قوله تعالى: ﴿ والذين ﴾ مبتدأ، والخبر ﴿ يكنزون ﴾ أو منصوب تقديره: بشر الذين يكنزون. والتعريف في الموصول للعهد. والمعهود، إما الأحبار والرهبان، وإما المسلمون الكانزون، لجري ذكر الفريقين، وإما ما هو أعم. والأول روي عن معاوية، والثاني عن السدي، والثالث عن ابن عباس وأبي ذر.

قال الزمخشري: يجوز أن يكون الموصول إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان، للدلالة على اجتماع خصلتين مذمومتين فيهم: أخذ البراطيل، وكنز الأموال والضن بها عن الإنفاق في سبيل الخير. ويجوز أن يراد المسلمون الكانزون غير المنفقين، ويقرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى تغليظا، ودلالة على أن من يأخذ منهم السحت، ومن لا يعطي منكم طيب ماله، سواء في استحقاق البشارة بالعذاب الأليم.

انتهى.

قال في (الأنوار): ويؤيد الثاني أنه لما نزل كبر على المسلمين، فذكر عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال:

" إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم "

- رواه أبو داود والحاكم وصححه - وقوله صلى الله عليه وسلم:

" ما أدي زكاته فليس بكنز "

- أخرجه الطبراني والبيهقي - أي: ليس بالكنز المتوعد عليه في الآية، فإن الوعيد على الكنز، مع عدم الإنفاق فيما أمر الله أن ينفق فيه. وأما قوله صلى الله عليه وسلم:

محاسن التأويل · الصفحة ١٣٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٣٩٢