وروى العوفي عن ابن عباس في هذه الآية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم عبد الله بن مغفل بن مقرن المزني، فقالوا: يا رسول الله! احملنا. فقال لهم:
" والله! لا أجد ما أحملكم عليه "
، فتولوا وهم يبكون، وعز عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقة ولا محملا، فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله، أنزل عذرهم في كتابه، فقال: ﴿ ليس على الضعفآء ﴾.
وروى الإمام أحمد عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لقد خلفتم بالمدينة رجالا، ما قطعتم واديا، ولا سلكتم طريقا، إلا شركوكم في الأجر، حبسهم المرض "
ورواه مسلم.
ثم رد تعالى الملامة على المستأذنين في القعود وهم أغنياء بقوله:
﴿ إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنيآء... ﴾.
9.93
﴿ إنما السبيل ﴾ أي: بالعتاب والعقاب ﴿ على الذين يستأذنونك وهم أغنيآء ﴾ أي: قادرون على تحصيل الأهبة ﴿ رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ﴾ أي: من النساء والصبيان وسائر أصناف العاجزين، أي: رضوا بالدناءة والضعة والانتظام في جملة الخوالف. قال المهايمي: وهذا الرضا، كما هو سبب العتاب، فهو أيضا سبب العقاب؛ لأنه لما كان عن قلة مبالاتهم بالله، غضب الله عليهم ﴿ وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ﴾ أي: ما يترتب عليه من المصائب. الدينية والدنيوية أو لا يعلمون أمر الله فلا يصدقون.
لطيفة
قال الشهاب: اعلم أن قولهم: (لا سبيل عليه) معناه: لا حرج ولا عتاب، وأنه بمعنى لا عاتب يمر عليه، فضلا عن العتاب، وإذا تعدى ب (إلى) كقوله:
ألا ليت شعري هل إلى أم سالم
سبيل؟ فأما الصبر عنها فلا صبر
فبمعنى الوصول، كما قال:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها
أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
ونحوه، فتنبه لمواطن استعماله، فإنه من مهمات الفصاحة - انتهى.
ثم أخبر تعالى عما سيتصدون له عند القفول من تلك الغزوة، بقوله سبحانه:
﴿ يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله... ﴾.