تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أعطى فأعطاني يدا ودارا

وباحة حولها عقارا

الأساس 2/ 560، واللسان 15/ 425، بيروت.

ومنه الحديث:

" وهم يد على من سواهم "

أي: هم مجتمعون على أعدائهم، يعاون بعضهم بعضا - قاله أبو عبيدة - وإما بمعنى الذل - نقله ابن الأعرابي وحكاه وجها في الآية -.

هذا إن أريد باليد يد المعطي، وإن أريد بها يد الآخذ، فاليد إما بمعنى القوة، أي: عن يد قاهرة مستولية، ويقولون: ما لي به يد أي قوة، وإما بمعنى السلطان، وهو كالذي قبله، ومنه يد الريح سلطانها. قال لبيد:

نطاف أمرها بيد الشمال

اللسان 15/ 422. وصدره كما جاء في الأساس2/ 560.

أضل صواره وتضيفته

وفيه: نطوف.

لما ملكت الريح تصريف السحاب، جعل لها سلطان عليه. وإما بمعنى النعمة، أي: عن إنعام عليهم بذلك، لأن قبول الجزية، وترك أنفسهم عليهم، نعمة عليهم.

قال الناصر في (الانتصاف): وهذا الوجه أملى بالفائدة.

وإما بمعنى الغنى، حكاه في (العناية)، ونقله (التاج) من معاني اليد.

وقوله تعالى: ﴿ وهم صاغرون ﴾ أي: أذلاء.

تنبيهات

الأول: قوله تعالى: ﴿ عن يد ﴾ إما حال من الضمير في ﴿ يعطوا ﴾ أو من (الجزية) أي: مقرونة بالانقياد، ومسلمة بأيديهم، وصادرة عن غنى، ومقرونة بالذلة، وكائنة عن إنعام عليهم. كذا في (العناية).

الثاني: قال السيوطي في (الإكليل): هذه الآية أصل قبول الجزية من أهل الكتاب.

الثالث: قال أيضا: استدل من قال بأن معنى اليد فيما تقدم، الغني، أنها لا تجب على معسر، ومن قال بأنه لا يرسل بها، على أنه لا يجوز توكيل مسلم بها، ولا أن يضمنها عنه، ولا أن يحيل بها عليه.

الرابع: قال السيوطي أيضا: استدل بقوله تعالى: ﴿ وهم صاغرون ﴾ من قال: إنها تؤخذ بإهانة، فيجلس الآخذ، ويقوم الذمي ويطأطئ رأسه، ويحني ظهره، ويضعها في الميزان، ويقبض الآخذ لحيته، يضرب لهزمتيه. قال: ويرد به على النووي حيث قال: إن هذه سيئة باطلة. انتهى.

قلت: ولقد صدق النووي عليه الرحمة والرضوان، فإنها سيئة قبيحة، تأباها سماحة الدين، والرفق المعلوم منه، ولولا قصد الرد على من قاله لما شوهت بنقلها ديباجة الصحيفة.

ثم رأيت ابن القيم رد ذلك بقوله: هذا كله مما لا دليل عليه، ولا هو مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه، قال: والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الله تعالى عليهم، وإعطاء الجزية، فإن ذلك الصغار، وبه قال الشافعي. انتهى.

ثم قال السيوطي: واستدل بالآية من قال: إن أهل الذمة يتركون في بلد أهل الإسلام؛ لأن مفهومها الكف عنهم عند أدائها، ومن الكف ألا يجلوا، ومن قال: لا حد لأقلها، ومن قال هي عوض حقن الدم لا أجرة الدار. انتهى.

الخامس: روى أبو عبيد في كتاب (الأموال) عن ابن شهاب قال: أول من أعطى الجزية من أهل الكتاب، أهل نجران، وكانوا نصارى.

السادس: قال أبو عبيد: ثبتت الجزية على اليهود والنصارى بالكتاب، وعلى المجوس بالسنة.

وقال ابن القيم: لما نزلت آية الجزية أخذها صلى الله عليه وسلم من ثلاث طوائف: من المجوس واليهود والنصارى، ولم يأخذها من عباد الأصنام، فقيل: لا يجوز أخذها من كفار غير هؤلاء، ومن دان بدينهم اقتداء بأخذه وتركه، وقيل: بل تؤخذ من أهل الكتاب وغيرهم من الكفار وهم كعبدة الأصنام من العجم، دون العرب، والأول قول الشافعي وأحمد (في إحدى روايتيه)، والثاني قول أبى حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى. وأصحاب القول يقولون: إنما لم يأخذها من مشركي العرب؛ لأنها إنما نزلت فرضها بعد أن أسلمت دارة العرب، ولم يبق فيها مشرك، فإنها نزلت بعد فتح مكة، ودخول العرب في دين الله أفواجا، فلم يبق بأرض العرب مشرك؛ ولهذا غزا بعد الفتح تبوك، وكانوا نصارى، ولو كان بأرض العرب مشركون لكانوا يلونه، وكانوا أولى بالغزو من الأبعدين. ومن تأمل السير وأيام الإسلام، علم أن الأمر كذلك، فلم تؤخذ منهم الجزية، لعدم من يؤخذ عنه، لا لأنهم ليسوا من أهلها، قالوا: وقد أخذها من المجوس، فليسوا بأهل كتاب، ولا يصح أنه كان لهم كتاب ورفع، وهو حديث لا يثبت مثله، ولا يصح سنده. ولا فرق بين عبادة النار، وعبادة الأصنام، بل أهل الأوثان أقرب حالا من عباد النار، وكان فيهم من التمسك بدين إبراهيم ما لم يكن في عباد النار، بل عباد النار أعداء إبراهيم الخليل، فإذا أخذت منهم الجزية، فأخذها من عباد الأصنام أولى، وعلى ذلك تدل سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت عنه في صحيح مسلم أنه قال:

محاسن التأويل · الصفحة ١٣٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٣٨٢