قال الشهاب: وبالظاهر أخذ أبو حنيفة رحمه الله تعالى، إذ صرف المنع عن دخوله الحرم للحج والعمرة، بدليل قوله تعالى: ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ ، فإنه إنما يكون إذا منعوا من دخول الحرم، وهو ظاهر، أي لأن موضع التجارات ليس عين المسجد، ونداء علي كرم الله وجهه بقوله:
" ألا لا يحج بعد عامنا هذا مشرك "
، بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، يعينه، فلا يقال: إن منطوق الآية يخالفه. انتهى.
الثالث: قال الناصر: قد يستدل بقوله تعالى: ﴿ فلا يقربوا... ﴾ الآية - من يقول: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وخصوصا بالمناهي، فإن ظاهر الآية توجه النهي إلى المشركين، إلا أنه بعيد، لأن المعلوم من المشركين أنهم لا ينزجرون بهذا النهي، والمقصود تطهير المسجد الحرام بإبعادهم عنه، فلا يحصل هذا المقصود إلا بنهي المسلمين عن تمكينهم من قربانه. ويرشد إلى أن المخاطب في الحقيقة المسلمون، تصدير الكلام بخطابهم في قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا ﴾ وتضمينه نصا بخطابهم في قوله: ﴿ وإن خفتم عيلة ﴾ ، وكثيرا ما يتوجه النهي على من المراد خلافه، وعلى ما المراد خلافه، إذا كانت ثم ملازمة كقوله: لا أرينك هاهنا
فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون
[البقرة: 132]. انتهى.
الرابع: (العيلة) مصدر من (عال) بمعنى افتقر. قرئ (عائلة)، وهو إما مصدر بوزن فاعلة، أو اسم فاعل صفة لموصوف مؤنث مقدر، أي: حالا عائلة، أي: مفقرة.
قال ابن جني: هذه من المصادر التي جاءت على فاعلة، كالعاقبة والعافية. ومنه قوله تعالى:
لا تسمع فيها لاغية
[الغاشية: 11]، أي: لغوا. ومنه قولهم: مررت به خاصة، أي خصوصا وأما قوله تعالى:
ولا تزال تطلع على خآئنة منهم
[المائدة: 13] فيجوز أن يكون مصدرا، أي: خيانة، وأن يكون على تقدير: نية أو عقيدة خائنة. وكذا هاهنا يقدر: إن خفتم حالا عائلة. انتهى.
الخامس: إن قيل: ما وجه التعليق بالمشيئة في قوله تعالى: ﴿ إن شآء ﴾ مع أن المقام وسبب النزول، وهو خوفهم الفقر، يقتضي دفعه بالوعد بإغنائهم من غير تردد؟ فالجواب: إن الشرط لم يذكر للتردد، بل لبيان أنه بإرادته لا سبب له غيرها، فانقطعوا إليه، واقطعوا النظر من غيره، ولينبه على أنه متفضل به لا واجب عليه؛ لأنه لو كان بالإيجاب لم يوكل إلى الإرادة، فلا يقال: إن هذا لا حاجة إلى أخذه من الشرط، مع قوله تعالى: ﴿ من فضله ﴾ ، لأن قوله: ﴿ من فضله ﴾ يفيد أنه عطاء وإحسان، وهذا يفيد أنه بغير إيجاب، وشتان بينهما، وقيل: إنه للتنبيه على أنه بإرادته، لا بسعي المرء وحيلته:
لو كان بالحيل الغني لوجدتني
بنجوم أقطار السماء تعلقي
كذا في العناية.