7.181-186
قوله تعالى: ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق ﴾ يعني جماعة وهم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يهدون بالحق يعني يدعون إلى الحق ويأمرون بالحق ﴿ وبه يعدلون ﴾ يعني بالحق يعملون وذلك أنه لما نزل قوله تعالى
ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق
[الأعراف: 159] قال أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله قد ذكر الله تعالى هؤلاء الرهط بالخير الجسيم من بني إسرائيل إن آمنوا بك وجعل لهم أجرين ولنا أجرا واحدا وقد صدقناك والرسل والكتب فنزل ﴿ وممن خلقنا أمة ﴾ يعني من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - يهدون بالحق وبه يعدلون. قوله تعالى: ﴿ والذين كذبوا بآيتنا ﴾ يعني بمحمد والقرآن ﴿ سنستدرجهم ﴾ يعني سنأخذهم بالعذاب ﴿ من حيث لا يعلمون ﴾ يعني من حيث لا يشعرون وقال الكلبي: يعني نزين لهم فنهلكهم من حيث لا يعلمون. يقول سنأتيهم وهم المستهزءون فيقتل كل رجل منهم بغير قتلة صاحبه. وقال القتبي الاستدراج أن يذيقهم من بأسه قليلا قليلا، ويقال استدرج فلان فلانا يعني يعرف ما عنده وأصل هذا من الدرجة لأن الراقي يرقى درجة درجة فاستعير من هذا كقوله تعالى
والمرسلت عرفا
[المرسلات: 1] يعني الملائكة يتابعون بعضهم بعضا كعرف الفرس وكقوله تعالى
ويقبضون أيديهم
[التوبة: 67] أي: يمسكون عن العطية وقال السدي سنستدرجهم يعني كلما جددوا معصية جددنا لهم نعمة وأنسيناهم شكرها ثم نأخذهم من حيث لا يعلمون. فذلك الاستدراج ثم قال ﴿ وأملي لهم ﴾ يعني: وأمهلهم ﴿ إن كيدي متين ﴾ يعني: أن عقوبتي شديدة ويقال إن صنيعي محكم، ويقال إن أخذي شديد ثم قال تعالى ﴿ أو لم يتفكروا ﴾ يعني: أهل مكة فيما يأمرهم محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يعبدوا خالقهم ورازقهم وكاشف الضر عنهم ولا يعبدوا من لا يقدر على شيء منه، أمثل هذا يكون مجنونا ويقال معناه أولم يتفكروا في دلائل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعجزاته ليستدلوا بأنه نبي. وقد تم الكلام. ثم استأنف فقال ﴿ ما بصاحبهم من جنة ﴾ ويقال هذا على وجه البناء ومعناه أولم يتفكروا ليعلموا ما بصحابهم من جنة يعني: جنونا. ويقال إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صعد ذات ليلة الصفا فدعا قريشا إلى عبادة الله تعالى بأسمائهم فردا فردا فقال بعضهم إن صاحبكم لمجنون فوعظهم الله تعالى فقال أولم يتفكروا. يقول: أولم يجالسوه ويكلموه هل به من جنون ﴿ إن هو إلا نذير مبين ﴾ أي رسولا بينا وهذا كقوله تعالى
قل إنمآ أعظكم بوحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصحبكم من جنة
[سبإ: 46]. ووعظهم ليعتبروا في صنعه فيوحدوه فقال ﴿ أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ﴾ أي: في خلق السماوات والأرض ﴿ وما خلق الله من شيء ﴾ في السماء من الشمس والقمر والنجوم وما خلق الله في الأرض من الجبال والبحار وغير ذلك فيعتبروا ويؤمنوا بأن الذي خلق الذي ترون، هو رب واحد لا شريك له ﴿ وأن عسى ﴾ يعني وينظروا في أن عسى ﴿ أن يكون قد اقترب أجلهم ﴾ يعني قد دنا هلاكهم ﴿ فبأي حديث بعده يؤمنون ﴾ يعني إن لم يؤمنوا بالقرآن فبأي حديث يؤمنوا بعد القرآن لأن هذا آخر الكتب نزولا وليس بعده كتاب ينزل ثم قال تعالى: ﴿ من يضلل الله فلا هادي له ﴾ أي: من يخذله الله عن دين الإسلام فلا هادي له إلى الهدى ﴿ ويذرهم في طغينهم يعمهون ﴾ أي: يتركهم في ضلالتهم يترددون.
قرأ أبو عمرو ويذرهم بالياء وضم الراء على معنى الخبر وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر ونذرهم بالنون وضم الراء وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص ويذرهم بالياء وجزم الراء وجعلوه جواب الشرط. ومعناه من يضلل الله يذره.