7.55-57
فقال ﴿ ادعوا ربكم تضرعا وخفية ﴾ قال الكلبي: يعني في الأحوال كلها. يعني ادعوا الذي خلق هذه الأشياء في الأحوال كلها. ويقال خفية يعني اعتقدوا عبادته في أنفسكم لأن الدعاء معناه العبادة. ثم قال ﴿ إنه لا يحب المعتدين ﴾ يعني أن يدعوا بما لا يحل أو يدعوا على أحد باللعن والخزي أو تدعوا عليه بالشر. ثم قال ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ﴾ وذلك أن الله تعالى إذا بعث نبيا فأطاعوه صلحت الأرض وصلح أهلها وفي المعصية فساد الأرض وفساد أهلها، ويقال لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها أي لا تجوروا في الأرض فتخرب الأرض لأن الأرض قامت بالعدل، ويقال لا تخربوا المساجد فتتركوا الجماعات ﴿ وادعوه خوفا وطمعا ﴾ يعني اعبدوه خوفا وطمعا أي: خوفا من عذابه وطمعا في رحمته: ويقال ادعوه في حال الخوف والضيق، ويقال خوفا عن قطيعته ورجاء إلى الغاية. ثم قال ﴿ إن رحمت الله قريب من المحسنين ﴾ ولم يقل قريبة قال بعضهم لأن القريب والبعيد يصلحان للواحد والجمع والمذكر والمؤنث. كما قال
لعل الساعة تكون قريبا
[الأحزاب: 63] وقال
وما هى من الظلمين ببعيد
[هود: 83] وقال بعضهم تفسير الرحمة ها هنا المطر. فذكر بلفظ المذكر، وقال بعضهم إن رحمة الله قريب. يعني الغفران والعفو فانصرف إلى المعنى. ومعناه المحسنون قريب من الجنة وهم المؤمنون ثم قال ﴿ وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته ﴾ أي قدام المطر.
قرأ حمزة والكسائي الريح بلفظ الوحدان. وقرأ الباقون الرياح بلفظ الجماعة. واختار أبو عبيد أن كل ما ذكر في القرآن من ذكر الرحمة فهو رياح وكل ما كان فيه ذكر العذاب فهو ريح واحتج بما روي عن النبي عليه السلام أنه كان يقول: إذا هبت الريح يقول
" اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا "
وقرأ ابن عامر نشرا بضم النون وجزم الشين.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع نشرا بضمتين.
وقرأ حمزة والكسائي نشرا بنصب النون وجزم الشين.
وقرأ عاصم بشرا بالباء ويكون من البشارة كما قال في آية أخرى
يرسل الريح مبشرت
[الروم: 46].
ومن قرأ نشرا بالنون والنصب فيكون معناه يرسل الرياح تنشر السحاب نشرا، ومن قرأ بالضمتين يكون جمع نشور، يقال ريح نشور، أي تنشر السحاب ورياح نشر، ومن قرأ بضمة واحدة لأنه لما اجتمعت الضمتان حذفت إحداهما للتخفيف. ثم قال ﴿ حتى إذا أقلت سحابا ثقالا ﴾ من الماء، والسحاب جمع السحابة يعني الريح حملت سحابا ثقالا ﴿ سقناه لبلد ميت ﴾ يعني السحاب تمر بأمر الله تعالى إلى أرض ليس فيها نبات ﴿ فأنزلنا به الماء ﴾ يعني بالمكان. ويقال بالسحاب ﴿ فأخرجنا به من كل الثمرات ﴾ أي نخرج بالماء من الأرض الثمرات ﴿ كذلك نخرج الموتى ﴾ أي يقول: هكذا نحيي الموتى بالمطر كما أحييت الأرض الميتة بالمطر. وذكر في الخبر أنه إذا كان قبل النفخة الأخيرة أمطرت السماء أربعين يوما مثل مني الرجال فتشرب الأرض فتنبت الأجساد بذلك الماء ثم ينفخ في الصور فإذا هم قيام ينظرون. وفي هذه الآية إثبات القياس وهو رد المختلف إلى المتفق، لأنهم كانوا متفقين أن الله تعالى هو الذي ينزل المطر ويخرج النبات من الأرض. فاحتج عليهم لإحيائهم بعد الموت بإحياء الأرض بعد موتها. ثم قال ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ أي: لكي تتعظوا وتعتبروا في البعث أنه كائن. ثم ضرب مثلا للمؤمنين والكافرين.