تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.85-93

ثم قال تعالى: ﴿ وإلى مدين أخهم شعيبا ﴾ يعني أرسلنا إلى مدين نبيهم شعيبا، ومدين هو آل مدين. وكان مدين إبن إبراهيم خليل الرحمن تزوج ريثاء ابنة لوط فولدت آل مدين فتوالدوا وكثروا ثم صار هو اسما للمدينة فسميت المدينة مدين وسمي أولئك القوم مدين فكفروا بالله تعالى ونقصوا المكيال والميزان في البيع وأظهروا الخيانة فبعث الله تعالى إليهم شعيبا. وقال الضحاك: كان شعيب أفضلهم نسبا وأصدقهم حديثا وأحسنهم وجها، ويقال إنه بكى من خشية الله تعالى حتى ذهب بصره فصار أعمى فدعا قومه إلى الله تعالى و ﴿ قال يا قوم اعبدوا الله ﴾ أي: وحدوه وأطيعوه ﴿ ما لكم من إله غيره قد جاءتكم موعظة من ربكم ﴾ قال بعضهم مجيء شعيب النبي - عليه السلام إليهم آية ولم يكن لشعيب علامة سوى مجيئه وإخباره أن الله تعالى واحد وقال بعضهم كانت له علامة لأن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا وقد جعل له علامة ليظهر تصديق مقالته إلا أن الله تعالى لم يبين لنا علامته، وقد بين علامة بعض الأنبياء ولم يبين علامة الجميع ثم قال ﴿ فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ﴾ أي: أتموا الكيل والميزان بالعدل ﴿ ولا تبخسوا الناس أشياءهم ﴾ يقول ولا تنقصوا الناس حقوقهم في البيع والشراء ﴿ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلحها ﴾ يعني لا تعملوا في الأرض المعاصي بعد ما بين الله تعالى طريق الحق وأمركم بالطاعة ﴿ ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ يعني وفاء الكيل وترك الفساد في الأرض خير لكم من النقصان والفساد في الأرض إن كنتم مصدقين بما حرم الله تعالى عليكم قوله تعالى ﴿ ولا تقعدوا بكل صرط توعدون ﴾ أي: لا ترصدوا بكل طريق، توعدون أهل الإيمان بالقتل ﴿ وتصدون عن سبيل الله ﴾ يقول: تمنعون الناس عن دين الإسلام ﴿ من ءامن به وتبغونها عوجا ﴾ يقول تريدون بملة الإسلام زيغا وغيرا. وروي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ﴿ بكل صرط توعدون ﴾ قال بكل سبيل، حتى تصدوا أهلها عنها وتبغونها عوجا. قال وتلتمسون بها الزيغ. ويقال معناه لا تقعدوا على كل طريق تخوفون الناس، وتخوفون أهل الإيمان بشعيب عليه السلام. ثم قال ﴿ واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم ﴾ أي: كنتم قليلا في العدد فكثر عددكم. ويقال كنتم فقراء فأغناكم وكثر أموالكم. ﴿ وانظروا كيف كان عقبة المفسدين ﴾ أي: كيف صار آخر أمر المكذبين بالرسل. يعني الذين قبلهم، قوم نوح وقوم عاد وقوم هود وقوم صالح. ثم قال ﴿ وإن كان طائفة منكم ءامنوا بالذي أرسلت به ﴾ يعني إن كان جماعة منكم صدقوا بي ﴿ وطائفة لم يؤمنوا ﴾ بي أي: لم يصدقوا ﴿ فاصبروا حتى يحكم الله بيننا ﴾ يعني حتى تنظروا عاقبة المؤمنين أفضل أم عاقبة الكافرين فذلك قوله حتى يحكم الله بيننا.

يعني حتى يقضي الله بين المؤمنين وبين الكافرين ﴿ وهو خير الحكمين ﴾ أي: أعدل العادلين ﴿ قال الملأ الذين استكبروا من قومه ﴾ يعني الأشراف والرؤساء تعظموا عن الإيمان من قومه ﴿ لنخرجنك يشعيب والذين ءامنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا ﴾ أي: لتدخلن في ديننا الذي نحن عليه. ويقال هذا الخطاب لقومه الذين آمنوا. لترجعن إلى ديننا كما كنتم. ﴿ قال ﴾ لهم شعيب ﴿ أولو كنا كرهين ﴾ يعني أتجبروننا على ذلك؟ قالوا نعم قال لهم شعيب ﴿ قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم ﴾ يقول قد اختلقنا على الله كذبا إن دخلنا في دينكم ﴿ بعد إذ نجانا الله منها ﴾ (يقول إن الله تعالى أكرمنا بالإسلام وأنقذنا من ملتكم) يقال معناه كنا كاذبين مثلكم لو دخلنا في دينكم بعد إذ نجانا الله منها. ويقال أكرمنا الله تعالى بالإسلام ولم يجعلنا من أهل الكفر فأنقذنا وأبعدنا من ملتكم ﴿ وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ﴾ يعني: ما ينبغي لنا وما يجوز لنا أن ندخل في ملتكم إلا أن يشاء الله ﴿ ربنا ﴾ دخولنا فيها وأن ينزع المعرفة من قلوبنا ويقال (معناه وما يكون لنا أن نعود فيها) إلا أن يكون في علم الله ومشيئته أنا نعود فيها ويقال معناه: إلا أن يشاء الله. يعني لا يشاء الله الكفر مثل قولك لا أكلمك حتى يبيض القار وحتى يشيب الغراب وهذا طريق المعتزلة ثم قال ﴿ وسع ربنا كل شيء علما ﴾ يعني: علم ما يكون منا ومن الخلق ﴿ على الله توكلنا ﴾ أي: فوضنا أمرنا إلى الله. لقولهم لنخرجنك يا شعيب ﴿ ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق ﴾ أي: اقض بيننا وبين قومنا بالعدل. وروى قتادة عن ابن عباس قال: ما كنت أدري ما معنى قوله ﴿ ربنا افتح بيننا ﴾ حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لعلي بن أبي طالب تعال أفاتحك يعني: أخاصمك وقال القتبي الفتح أن تفتح شيئا مغلقا كقوله:

بحر العلوم · الصفحة ٤٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٤٠٨