والله ربنا ما كنا مشركين
[الأنعام: 23]. قال الزجاج: قال بعضهم ﴿ ولا يكتمون الله حديثا ﴾ مستأنف، لأن ما عملوا ظاهر عند الله تعالى، لا يقدرون على كتمانه. وقال بعضهم: هو كلام بناء، يعني يودون أن الأرض سويت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثا، لأنه مظهر كذبهم. قرأ حمزة والكسائي: (تسوى) بنصب التاء وتخفيف السين، وتشديد الواو، يعني يخسف بهم، وقرأ عاصم وابن كثير وأبو عمرو (تسوى) بضم التاء [فأدغم إحدى التائين في الأخرى] على فعل لم يسم فاعله، أي يصيروا ترابا، وتسوى بهم الأرض وقرأ نافع وابن عامر: (تسوى) بنصب التاء وتشديد السين والواو لأن أصله تتسوى، فادغم إحدى التائين في السين.
4.43
ثم قال تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامنوا لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى ﴾ قال مقاتل: وذلك أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما، فدعا أبا بكر، وعمر وعثمان، وعليا، وسعدا - رضي الله عنهم - فأكلوا، وسقاهم خمرا، فحضرت صلاة المغرب فأمهم علي، فقرأ
قل يأيها الكفرون
[سورة الكافرون: 1] على غير الوجه، فنزل ﴿ يا أيها الذين ءامنوا، لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى ﴾ ﴿ حتى تعلموا ما تقولون ﴾ وكان ذلك قبل تحريم الخمر. وقال ﴿ لا تقربوا الصلوة وأنتم سكرى ﴾ ، يعني موضع الصلاة وهو المسجد، حتى تعلموا ما تقولون، ويقال: حتى تصيروا بحال تعلمون ما تقولون، فحينئذ تقربوا المسجد، لأنهم إذا لم يعلموا ما يقولون فلا يعرفون الحرمة. ثم قال تعالى: ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل ﴾ يقول: ولا تقربوا الصلاة جنبا إلا عابري سبيل، يعني إلا أن يكون مسافرا، فلا يجد الماء، فيتيمم ويصلي إذا كان جنبا، وقال الزجاج: وحقيقته ألا تصلوا إذا كنتم جنبا ﴿ حتى تغتسلوا ﴾ إلا أن لا تقدروا على الماء. وقال القتبي: لا تقربوا الصلاة، يعني لا تقربوا المساجد، وأنتم جنب إلا مجتازين وقال بعضهم: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى من النوم. وروى [السدي] عمن حدثه عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا جنبا إلا عابري سبيل ﴾ قال: في السفر يتيمم ويصلي. ويقال: إلا أن تكون في المسجد عين فيدخل ليغترف الماء. ثم قال تعالى: ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ ، نزلت في عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة، وهو جريح، فرخص له بأن يتيمم، ثم صارت الآية عامة في جميع الناس. وروي عن عبد الله بن عباس، وجابر بن سمرة وغيرهما من الصحابة،
" أن رجلا كان به جدري على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأصابته جنابة فغسلوه فمات من ذلك، فأخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " قتلوه قتلهم الله فهلا يمموه "
وروي عن ابن عباس أنه قال: وإن كنتم مرضى، قال: فإنما هو المجذوم والمجدور والمقروح. ثم قال تعالى: ﴿ أو على سفر ﴾ أي إذا كنتم مسافرين ﴿ أو جاء أحد منكم من الغائط ﴾ والغائط في اللغة: إسم المكان المطمئن من الأرض، وإنما هو كناية عن قضاء الحاجة. ثم قال تعالى: ﴿ أو لمستم النساء ﴾ ، قرأ حمزة والكسائي: (أو لمستم)، وقرأ الباقون: (لامستم) من الملامسة، قال ابن عباس: يعني الجماع، وقال بعضهم: هو المس باليد. ﴿ فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ﴾ يعني إذا أصابكم الحدث أو الجنابة، ولم تجدوا ماء، فتيمموا صعيدا طيبا أي ترابا نظيفا. ويقال الصعيد: هو ما علا وجه الأرض. ﴿ فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ﴾. قال بعضهم: الوجه والكفين، وهو قول الأعمش والأوزاعي. وقال بعضهم: إلى المنكبين، وهو قول الزهري. وقال عامة أهل العلم: الوجه واليدين إلى المرفقين وبذلك جاءت الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن عامة الصحابة اعتبارا بالوضوء ثم قال تعالى: ﴿ إن الله كان عفوا غفورا ﴾ أي ذو الفضل والعفو حين أجاز لكم التراب مكان الماء، غفورا لتقصيركم.