إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما إنما يأكلون فى بطونهم نارا
[النساء: 10] وتلك الآية محكمة، وهذه من المتشابهة لأنه يحتمل التأويل: إنهم يأكلون على وجه القرض أو على وجه الإباحة، فيرد حكم المتشابه إلى المحكم. وقد قيل: إن هذه الآية منسوخة بتلك الآية. قال الفقيه - رحمه الله -: إذا كان الوصي فقيرا فأكل من مال اليتيم مقدار قيامه عليه، أرجو أن لا بأس به، لأن كثيرا من العلماء أجازوا ذلك والاحتراز عنه أفضل. قرأ نافع وابن عامر (التي جعل الله لكم قيما) بكسر القاف ونصب الياء بغير ألف، والباقون بالألف ومعناهما قريب. وقال أهل اللغة: قياما، وقواما، وقيما، بمعنى واحد. وقوله تعالى: ﴿ فإذا دفعتم إليهم أمولهم ﴾ يعني إذا أدرك اليتامى، ودفعتم إليهم أموالهم. ﴿ فأشهدوا عليهم ﴾ على ذلك وإنما الإشهاد على معنى الاستحباب لنفي التهمة عن نفسه، ولو لم يشهد على ذلك لجاز كقوله تعالى ﴿ وأشهدوا إذا تبايعتم ﴾ ثم قال: ﴿ وكفى بالله حسيبا ﴾ أي شهيدا في أمر الآخرة، وأما في أمر الدنيا ينبغي أن يشهد العدول على ذلك لدفع القال عن نفسه، لأن الله تعالى لا يشهد له في الدنيا.
4.7-10
قوله تعالى: ﴿ للرجال نصيب مما ترك الولدن والأقربون ﴾ وذلك أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء، وإنما يورثون الرجال من كان يقاتل ويحوز الغنيمة، حتى مات أوس بن ثابت الأنصاري، وترك ثلاث بنات، وترك امرأة يقال لها أم كجة، فقام ابن عمه وأخذ ماله فجاءت المرأة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وذكرت له القصة. ويقال: مات رفاعة وترك ابنه وابنته، فأخذ الابن ميراثه كله فجاءت امرأته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته بذلك فنزل قوله: ﴿ للرجال نصيب ﴾ أي: حظ ﴿ مما ترك الولدن والأقربون ﴾ ﴿ وللنساء نصيب ﴾ أي حظ ﴿ مما ترك الولدن والأقربون مما قل منه ﴾ يعني ان قل المال ﴿ أو كثر نصيبا مفروضا ﴾ أي حظا معلوما لكل واحد من الميراث، فبين في هذه الآية: أن للرجال نصيبا، وللنساء نصيبا، ولكن لم يبين مقدار نصيب كل واحد منهم، ثم بين في الآية التي بعدها فقال: ﴿ وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتمى والمسكين ﴾ قال مقاتل: فيها تقديم وتأخير، ومعناه: إذا حضر أولوا القربى، قسمة الميراث، ﴿ فارزقوهم منه ﴾ يعني فأعطوهم من الميراث قال مقاتل وهذا كان قبل قسمة الميراث ثم قال تعالى: ﴿ وقولوا لهم قولا معروفا ﴾ يعني إذا كان الورثة كبارا يعطون من الميراث لذوي القربى، وإن كانت الورثة صغارا، ليقل لهم الأولياء قولا معروفا أي عدوا لهم عدة حسنة، يقول لهم، إذا أدرك الصغار أمرناهم يعطوكم شيئا ويعرفون حقكم. وقال القتبي: ﴿ إذا حضر القسمة ﴾ فيه قولان: أحدهما: أن تكون قسمة الوصية إذا حضرها أقرباؤكم فاجعلوا لهم حظا من الثلث، ووجه آخر أن يكون قسمة الميراث فارضخوا لهم منها ثم قال: ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ﴾ يقول: وليخش على أولاد الميت الضياع، كما أنكم لو تركتم أولادا ﴿ ذرية ضعفا ﴾ يقول: عجزة صغار، يعني الذي يحضره الموت لا يقال له: قدم لنفسك وأوص بكذا وكذا، حتى يوصي بعامة ماله، فليخش على ذرية الميت كما يخشى على ذرية نفسه. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إذا حضر الرجل الوصية، فلا ينبغي أن يقول له أوص بمالك، فإن الله تعالى رازق أولادك، ولكن يقول له: قدم لنفسك، واترك لولدك، فذلك قوله تعالى: ﴿ خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ﴾ يعني يقول للميت قولا عدلا: وهو أن يلقنه: لا إله إلا الله، ولا يأمره بذلك، ولكن يقول ذلك في نفسه حتى يسمعه منه ويتلقن، وهكذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -
" لقنوا موتاكم لا إله إلا الله "
ولم يقل مروهم بذلك [لأنه لو أمر بذلك] فلعله يغضب ويجحد.