قوله تعالى: ﴿ إن الذين يأكلون أمول اليتمى ظلما ﴾ يعني بغير حق ﴿ إنما يأكلون في بطونهم نارا ﴾ أي حراما، لأن الحرام يوجب النار، فسماه الله باسمها. ويقال: إنه يلقم من النار إذا صار إلى جهنم فذلك قوله تعالى: ﴿ إنما يأكلون في بطونهم نارا ﴾. وروي في الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في بعض قصة المعراج أنه قال:
" رأيت أقواما بطونهم كالحبالى فيها الحيات والعقارب فقلت: من هؤلاء يا جبريل قال: هم الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، إنما يأكلون في بطونهم نارا "
، ﴿ وسيصلون سعيرا ﴾ أي سيدخلونها في الآخرة. قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (وسيصلون) بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون النصب، وهذا كقوله: سيدخلون وسيدخلون. وقال القتبي: في قوله، ﴿ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ﴾. معناه، وليخش الذين يكفلون اليتامى، وليفعل بهم ما يحب أن يفعل بولده من بعده.
4.11-14
﴿ يوصيكم الله في أولدكم ﴾ أي يبين الله لكم ميراث أولادكم كما بين قسمة المواريث، يعني إذا مات الرجل أو المرأة، وترك أولادا ذكورا وإناثا [يكون] ﴿ للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ يعني لكل ابن سهمان، ولكل بنت سهم. وروى ابن أبي نجيح، عن عطاء قال: كان ابن عباس يقول: كان الميراث للولد وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله من ذلك ما أحب: فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للوالدين لكل واحد منهما السدس، وللمرأة الثمن أو الربع، وللزوج النصف أو الربع. ثم قال تعالى: ﴿ فإن كن نساء فوق اثنتين ﴾ يعني إذا ترك الميت بناتا ولم يترك أبناء، فللبنات إن كن اثنتين فصاعدا، ﴿ فلهن ثلثا ما ترك ﴾ من الميراث ولم يذكر في الآية حكم البنتين ولكن أجمع المسلمون، ما خلا رواية عن ابن عباس أنه قال: للاثنتين النصف كما كان للواحدة، وللثلاث بنات الثلثان. وأما سائر الصحابة فقد قالوا: إن للاثنتين الثلثين، وبذلك جاء الأثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - روى جابر بن عبد الله قال:
" جاءت امرأة [سعد] بن الربيع بابنتيها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هاتان ابنتا سعد، وقد قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، ولم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: سيقضي الله ذلك، فأنزل الله تعالى آية الميراث فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى عمهما وقال: أعط لابنتي سعد الثلثان، واعط أمهما الثمن، والباقي لك "
، ثم قال تعالى: ﴿ وإن كانت وحدة فلها النصف ﴾ يعني إن ترك الميت بنتا واحدة فلها النصف من الميراث والباقي للعصبة بالخبر. قرأ نافع: (وإن كانت واحدة) بالرفع على اسم كانت، وقرأ الباقون: بالنصب على معنى الخبر، ويكون الاسم فيه مضمرا. ثم قال تعالى: ﴿ ولأبويه لكل وحد منهما السدس مما ترك ﴾ الميت من المال، ﴿ إن كان له ولد ﴾ ذكر أو أنثى، أو ولد الإبن، ﴿ فإن لم يكن له ﴾ للميت ﴿ ولد ﴾ ولا ولد ابن ﴿ وورثه أبواه ﴾ يعني إن لم يكن للميت وارث سوى الأبوين ﴿ فلأمه الثلث ﴾ يعني للأم ثلث المال والباقي للأب. قرأ حمزة والكسائي: (فلإمه) بكسر الألف، لكسر ما قبله، وقرأ الباقون بالضم ثم قال تعالى: ﴿ وإن كان له إخوة فلأمه السدس ﴾ يعني، إذا كان للميت إخوة، وقد اتفق أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن اسم الإخوة يقع على الاثنين فصاعدا، إلا في قول ابن عباس: ثلاثة فصاعدا، واتفقوا أن الذكور والإناث فيه سواء فيكون للأم السدس، والباقي للأب: ﴿ من بعد وصية ﴾ يعني أن قسمة المواريث من بعد وصية ﴿ يوصي بها ﴾ الميت ﴿ أو دين ﴾ يعني بعد قضاء الدين، وإنفاذ الوصية.
وروى الحارث عن علي - رضي الله عنه - قال: قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالدين قبل الوصية وأنتم تقرؤون ﴿ من بعد وصية يوصي بها أو دين ﴾ يعني، إن في الآية تقديما وتأخيرا وروي عن ابن عباس: هكذا. قرأ ابن كثير، وابن عامر وعاصم (يوصى بها) على فعل ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون: (يوصي بها) يعني الميت إن كان يوصي بها أو عليه دين. ثم قال تعالى: ﴿ آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ﴾ يعني في الآخرة إذا كان أحدهما أرفع درجة من الآخر، يسأل الله تعالى، حتى يرفع إليه الآخر لتقر عينه به فقال: ﴿ لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ﴾ يعني أيهم أرفع درجة فيلتحق به صاحبه. ويقال: معناه إن الله علمكم قسمة المواريث، وأنكم لا تدرون أيهم أقرب (لكم نفعا حتى تعطوه حصته ويقال: لا تدرون أيهم أقرب) موتا فيرث منه الآخر. ثم قال تعالى: ﴿ فريضة من الله ﴾ يعني بيان قسمة المواريث من الله تعالى، ويقال: القسمة فريضة من الله تعالى، لا يجوز تغييرها عما أمر الله به، ثم قال تعالى: ﴿ إن الله كان عليما ﴾ بالمواريث ﴿ حكيما ﴾ حكم قسمتها وبينها لأهلها. وقال الزجاج: معناه، وكان الله عليما بالأشياء قبل خلقها، حكيما فيما يقرر بتدبيره منها. وقال بعضهم: لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال، فالخبر منه بالماضي، كالخبر منه بالاستقبال. وقال سيبويه: كان القوم شاهدوا علما وحكما فقيل لهم: إن الله كان عليما كذلك لم يزل على ما شاهدتم. ثم قال تعالى: ﴿ ولكم نصف ما ترك أزوجكم ﴾ إذا ماتت المرأة فتركت زوجا، فللزوج النصف ﴿ إن لم يكن لهن ولد ﴾ ذكرا أو أنثى، أو ولد ابن، ﴿ فإن كان لهن ولد ﴾ أو ولد ابن فللزوج الربع ﴿ فلكم الربع مما تركن ﴾ مما تركت المرأة ﴿ من بعد وصية يوصين بها أو دين ﴾ ثم قال: ﴿ ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بهآ أو دين ﴾ يعني إذا مات الزوج وترك امرأة فللمرأة الربع ﴿ إن لم يكن لكم ولد ﴾ ولا ولد ابن ﴿ فإن كان لكم ولد ﴾ فإن كان للميت ولد وولد ابن ﴿ فلهن الثمن ﴾ سواء كان له امرأة واحدة، أو أربع نسوة، فلهن الربع بغير ولد، والثمن مع الولد [أو مع ولد الابن] لأنه قال: ولهن الربع فجعل حصتهن الربع أو الثمن، ثم قال: ﴿ مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ﴾ ثم قال: ﴿ وإن كان رجل يورث كللة ﴾ والكلالة ما خلا الوالد والولد.