تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن

[البقرة: 229] فصار ذلك على الرجال ميثاقا غليظا من النساء. ثم بين ما يحل للرجال من النساء وما لا يحل.

4.22-23

فقال تعالى: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء ﴾ ، يعني لا تتزوجوا من قد تزوج آباؤكم من النساء. ويقال اسم النكاح يقع على الجماع والتزوج، فإن كان الأب تزوج امرأة أو وطئها بغير نكاح حرمت على ابنه وقوله ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ يقول: لا تفعلوا ما قد فعلتم في الجاهلية، وكان الناس يتزوج الرجل منهم امرأة الأب برضاها، بعد نزول قوله ﴿ لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ﴾ حتى نزلت هذه الآية: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم... ﴾ الآية، فصار حراما في الأحوال كلها. ويقال: إلا ما قد سلف، يعني: ولا ما قد سلف، كقوله تعالى

وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ

[النساء: 92] ولا خطأ وقد قيل: إن في الآية تقديما وتأخيرا، ومعناه، ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء [فإنكم إن فعلتم تواخذون وتعاقبون إلا ما قد سلف] إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا، إلا ما قد سلف. وقد قيل: إن في الآية إضمارا تقول ﴿ ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم ﴾ من النساء فإنكم إن فعلتم تعاقبون وتؤاخذون إلا ما قد سلف. ثم قال: ﴿ إنه كان فاحشة ﴾ أي معصية ﴿ ومقتا ﴾ أي بغضا ﴿ وساء سبيلا ﴾ أي بئس المسلك. ﴿ حرمت عليكم أمهتكم ﴾ أي نكاح أمهاتكم، فذكر الأمهات والمراد منه الأمهات والجدات. ﴿ وبنتكم ﴾ ذكر البنات والمراد به البنات والحفيدات [أي بنات الأولاد] ثم قال تعالى: ﴿ وأخوتكم ﴾ يعني من النسب ﴿ وعمتكم وخلتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهتكم اللاتي أرضعنكم وأخوتكم من الرضاعة ﴾. ثم قال تعالى: ﴿ وأمهت نسائكم ﴾ يعني أن نكاح أمهات نسائكم حرام عليكم سواء دخل بالإبنة أو لم يدخل بها. هكذا روي عن ابن عباس وعن جماعة من الصحابة إنهم قالوا ذلك، ثم قال: ﴿ وربائبكم ﴾ يعني حرام عليكم نكاح بنات نسائكم ﴿ اللتي في حجوركم ﴾ يعني التي يربيها في حجره حرام عليه إذا دخل بأمها ﴿ من نسائكم اللتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ﴾ يعني إن لم يكن دخل بأمها فهي حلال، له أن يتزوجها [وقد اتفقوا على أن] كونها في الحجر ليس بشرط غير قول روي عن بعض المتقدمين وإنما ذكر الحجر لتعارفهم فيما بينهم وتسميتهم بذلك الإسم. ثم قال تعالى: ﴿ وحلئل أبنائكم ﴾ يعني حرام عليكم نساء أبنائكم ﴿ الذين من أصلبكم ﴾ يقال: إنما اشترط الذين من الأصلاب، لزوال الاشتباه لأن القوم كانوا يتبنون في ذلك الوقت ويجعلون الابن المتبنى بمنزلة ابن الصلب في الميراث والحرمة، وتبنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة، فتزوج زيد بن حارثة امرأة ثم طلقها، فتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعيره المشركون بذلك، وقالوا تزوج امرأة ابنه فنزل قوله تعالى:

ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم

[الأحزاب: 40] وذكر في هذه الآية فقال: ﴿ وحلئل أبنائكم الذين من أصلبكم ﴾ لكي لا يظن أحد أن امرأة الابن المتبنى تحرم عليه. ثم قال تعالى: ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ أي حرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين في النكاح في حالة واحدة، ثم قال تعالى: ﴿ إلا ما قد سلف ﴾ يقول: إلا ما قد مضى في الجاهلية. وروى هشام بن عبيد الله، عن محمد بن الحسن أنه قال: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات كلها، التي ذكر في هذه الآية إلا اثنتين: أحدهما: نكاح امرأة الأب، والثانية الجمع بين الأختين ألا ترى أنه قال تعالى: ﴿ ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء إلا ما قد سلف ﴾ [ ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ﴾ ولم يذكر في سائر المحرمات إلا ما قد سلف]. ويقال: إلا ما قد سلف يعني، دع ما قد مضى ﴿ إن الله كان غفورا ﴾ لما كان في الجاهلية ﴿ رحيما ﴾ بما كان في الإسلام إن تاب من ذلك.

بحر العلوم · الصفحة ٢٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٢٣٣