تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويقال: للرجال، زيادة قوة في النفس والطبع ما ليس للنساء، لأن طبع الرجال غلب عليه الحرارة واليبوسة، فيكون فيه قوة وشدة، وطبع النساء غلب عليه الرطوبة والبرودة، فيكون فيه معنى اللين والضعف، فجعل لهم حق القيام عليهن بذلك. ثم قال: ﴿ وبما أنفقوا من أمولهم ﴾ أي فضلوا على النساء بما أنفقوا من أموالهم عليهن من المهر والنفقة. ثم قال: ﴿ فالصلحت قنتت ﴾ يعني المحصنات من النساء في الدين قانتات مطيعات لله تعالى ولأزواجهن. ويقال: الصالحات يعني المحسنات إلى أزواجهن من النساء في الدين ﴿ قنتت ﴾ أي [مطيعات لله ولأزواجهن] ويقال: الصالحات، يعني الموحدات ﴿ قنتت ﴾ يعني قائمات بأمور أزواجهن ﴿ حفظت للغيب ﴾ أي لغيب أزواجهن في فروجهن، وفي أموال الأزواج ﴿ بما حفظ الله ﴾ يقول أي: يحفظ الله إياهن. قال مقاتل: (وما) صلة يعني يحفظ الله لهن، ثم قال عز وجل: ﴿ واللتي تخافون نشوزهن ﴾ أي تعلمون عصيانهن ﴿ فعظوهن ﴾ بالله، أي يقول لها: اتق الله فإن حق الزوج عليك واجب، فإن لم تقبل ذلك قوله تعالى: ﴿ واهجروهن في المضاجع ﴾ قال الكلبي: أي ينسها وهو الهجر. ويقال: لا يقرب فراشها، لأن الزوج إذا أعرض عن فراشها، فإن كانت محبة للزوج يشق عليها، فترجع إلى الصلاح، وإن كانت مبغضة فتظهر السرور فيها، فيتبين أن النشوز من قبلها. وقال الضحاك: واهجروهن في المضاجع، أي يعرض عنها، فإن ذلك يغيظها فإن لم ينفعها ذلك. ﴿ واضربوهن ﴾ يعني ضربا غير مبرح، ﴿ فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ﴾ يقول: لا تطلبوا عليهن عللا، ولا تكلفوهن الحب لكم، فإن الحب أمر القلب، وليس لها ذلك بيدها ﴿ إن الله كان عليا كبيرا ﴾ أي رفيعا علا فوق كل كبير، فلا يطلب من عباده الحب، ولا يكلفهم ما لا يطيقونه، ويطلب منهم الطاعة، فأنتم أيضا لا تكلفوهن. ويقال: إن الله مع علوه يتجاوز عن عباده، فأنتم أيضا تجاوزوا ولا تطلبوا العلل. ثم قال تعالى للأولياء: ﴿ وإن خفتم شقاق بينهما ﴾ يقول: إن علمتم خلافا بين الزوجين، ويقال: إن خفتم الفراق بينهما، ولا تدرون من أيهما يقع النشوز فقوله: ﴿ فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ﴾ يعني رجلا عدلا من أهل الزوج له عقل وتمييز، يذهب إلى الرجل ويخلو به، ويقول له: أخبرني [ما] في نفسك، أتهواها أم لا؟ حتى أعلم بمرادك، فإن قال: لا حاجة لي بها، خذ مني لها ما استطعت، وفرق بيني وبينها، فيعرف أن من قبله جاء النشوز، وإن قال: فإني أهواها [فارضيها] من مالي بما شئت ولا تفرق بيني وبينها، فيعرف أنه ليس بناشز.

ويخلو ولي المرأة بها، ويقول: أتهوين زوجك أم لا؟ فإن قالت: فرق بيني وبينه، واعطه من مالي ما أراد، علم أن النشوز من قبلها. وإن قالت: لا تفرق بيننا ولكن حثه حتى يزيد في نفقتي ويحسن إلي، علم أن النشوز ليس من قبلها. فإذا ظهر لهما الذي كان النشوز من قبله يقبلان عليه بالعظة، والزجر والنهي، وذلك قوله تعالى ﴿ فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ﴾ ﴿ إن يريدا إصلحا ﴾ يعني عدلا، فينظران في أمرهما بالنصيحة والموعظة ﴿ يوفق الله بينهما ﴾ بالصلاح، ويقال: كل اثنين يقومان في الإصلاح بين اثنين بالنصيحة يقع الصلح بينهما لقوله تعالى: ﴿ إن يريدا إصلحا يوفق الله بينهما ﴾. ثم قال: ﴿ إن الله كان عليما خبيرا ﴾ أي عليما بهما خبيرا بنصيحتهما. وفي هذه الآية دليل على إثبات التحكيم، وليس كما يقول الخوارج، إنه ليس الحكم لأحد سوى الله تعالى، فهذه كلمة حق، ولكن يريدون بها الباطل.

بحر العلوم · الصفحة ٢٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

بحر العلومص ٢٣٨