فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة
[النساء: 3] فإن خاف ألا يعدل، فيتزوج أكثر من واحدة جاز، ولكن الأفضل أن لا يتزوج، فكذلك ها هنا الأفضل أن يتزوج الأمة إلا المؤمنة، ولو تزوج غير المؤمنة جاز. ثم قال تعالى: ﴿ والله أعلم بإيمنكم بعضكم من بعض ﴾ يقول: والله أعلم بإيمانكم في الحقيقة وأنتم تعرفون الظاهر، وليس عليكم أن تبحثوا عن الباطن.
وقال مقاتل: في الآية تقديم وتأخير، ومعناه، فما ملكت أيمانكم بعضكم من بعض، [(يعني يتزوج هذا وليدة هذا وهذا وليدة هذا) ثم قال: ﴿ والله أعلم بإيمنكم ﴾ من غيره. ويقال: معناه، والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض، يعني: بعضكم من بعض] في النسب، يعني محلكم ولد آدم ولا فخر فيما بينكم. ويقال: دينكم واحد أي بعضكم على دين بعض. ثم قال تعالى: ﴿ فانكحوهن بإذن أهلهن ﴾ يعني الولاية بإذن أربابهن ﴿ وآتوهن أجورهن بالمعروف ﴾ يقول: أعطوهن مهورهن بالمعروف (يعني بإذن أهلهن، لأنه إذا أعطى الأمة مهرها بغير إذن مولاها واستهلكت ضمن الزوج للمولى). ويقال: مهرا غير مهر البغي، يعني بعدما أطلق ذلك، ثم قال: ﴿ محصنت ﴾ أي عفائف ﴿ غير مسفحت ﴾ أي: غير زواني. ويقال: غير معلنات بالزنا. ﴿ ولا متخذات أخدان ﴾ يعني، أخلاء في السر، لأن أهل الجاهلية كان فيهن زواني في العلانية، ولهن رايات منصوبة، وبعضهن اتخذن أخدانا، يعني أخلاء في السر ولا يفعلن بالعلانية، فنهى الله عن نكاح الفريقين جميعا فقال: تزوجوا محصنات غير معلنات بالزنا، ولا في السر. قرأ الكسائي (محصنات) بكسر الصاد في جميع القرآن إلا في قوله ﴿ والمحصنت من النساء ﴾ وقرأ الباقون في جميع القرآن بالنصب. ثم قال تعالى: ﴿ فإذا أحصن ﴾ يعني أسلمن، ويقال: إذا أعففن. قرأ عاصم وحمزة والكسائي: (فإذا أحصن) بالنصب، وقرأ الباقون: بالضم وروي عن ابن مسعود أنه كان يقرأ بالنصب، ومعناه إذا أسلمن. وقرأ ابن عباس: بالضم، يعني أحصن بالأزواج. ﴿ فإن أتين بفحشة ﴾ يعني الزنا، ﴿ فعليهن ﴾ أي وجب عليهن ﴿ نصف ما على المحصنت من العذاب ﴾ يعني إذا زنت الأمة فحدها نصف حد الحرة، خمسون جلدة، والفائدة في نقصان حدهن - والله أعلم - أنهن أضعف من الحرائر، فجعل عقوبتهن أقل. ويقال: لأنهن لا يصلن إلى مرادهن، كما تصل الحرائر إلى مرادهن. ويقال: لأن العقوبة تجب على قدر النعمة، ألا ترى: أن الله تعالى قال لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -
ينسآء النبي من يأت منكن بفحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين
[سورة الأحزاب: 30] فلما كانت نعمتهن أكثر جعل عقوبتهن أشد، فكذلك الأمة، لما كانت نعمتها أقل كانت عقوبتها أدنى. وذكر في الآية حد الإماء خاصة، ولم يذكر حد العبيد، ولكن حد العبيد والإماء سواء خمسون جلدة في الزنا، وفي حد القذف وشرب الخمر أربعون جلدة، لأن حد الأمة إنما نقص لنقصان الرق، وذلك في العبد موجود. وروي عن علي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - أنهما قالا: حد العبد نصف حد الحر. ثم قال تعالى: ﴿ ذلك ﴾ يعني هذا الذي ذكر في الآية. وهو رخصة نكاح الأمة ﴿ لمن خشي العنت منكم ﴾ يعني الإثم في دينه، ويقال: الزنا والفجور [قال القتبي أصله المضرور الإفساد] قال تعالى: ﴿ وأن تصبروا ﴾ عن نكاح الإماء ﴿ خير لكم ﴾ من تزوجهن لأنه، لو تزوج الأمة، يصير ولده عبدا. وروي عن عمر أنه قال: أيما حر تزوج بأمة، فقد أرق نصفه أي يصير ولده رقيقا، فالصبر عن ذلك أفضل لكيلا يرق ولده. وقال مجاهد: ﴿ وأن تصبروا خير لكم ﴾ يقول: وإن تصبروا على نكاح الأمة خير لكم من أن تقعوا في الفجور. ﴿ والله غفور ﴾ لما أصبتم منهن قبل تحليله ﴿ رحيم ﴾ حين رخص في نكاح [الإماء] ويقال: رحيم إذ لم يعجل العقوبة.